الشيخ الأميني

209

الغدير

وصدره ، ثم أخذ كفا من البطحاء وحصب المشركين وقال : شاهت الوجوه . والخبر المشهور عن علي وهو أشجع البشر : كنا إذا اشتد البأس وحمى الوطيس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولذنا به . فيكف يقول الجاحظ : إنه ما خاض الحروب ولا خالط الصفوف ؟ وأي فرية أعظم ومن فرية من نسب رسول الله صلى الله وسلم إلى الإحجام والاعتزال الحرب ؟ ثم أي مناسبة بين أبي بكر ورسول الله في هذا المعنى ؟ ليقيسه وينسبه إلى رسول الله صاحب الجيش والدعوة ورئيس الاسلام والملة ، والملحوظ بين أصحابه وأعدائه بالسيادة ، وإليه الإيماء والإشارة ، وهو الذي أحنق قريشا والعرب ، وورى أكبادهم بالبراءة من آلهتهم وعيب دينهم وتضليل أسلافهم ، ثم وترهم فيما بعد بقتل رؤسائهم وأكابرهم ، وحق لمثله إذا تنحى عن الحرب واعتزلها أن يتنحى ويعتزل ، لأن ذلك شأن الملوك والرؤساء إذ كان الجيش منوطا بهم وببقائهم ، فمتى هلك الملك هلك الجيش ، ومتى سلم الملك أمكن أن يبقى عليه ملكه ، وإن عطب جيشه بأن يستجد جيشا آخر ، ولذلك نهى الحكماء أن يباشر الملك الحرب بنفسه ، وخطأوا الإسكندر لما بارز فور ملك الهند ونسبوه إلى مجانبة الحكمة ومفارقة الصواب والحزم ، فليقل لنا الجاحظ : أي مدخل لأبي بكر في هذا المعنى ؟ ومن الذي كان يعرفه من أعداء الاسلام ليقصده بالقتل ؟ وهل هو إلا واحد من عرض المهاجرين حكمه حكم عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان وغيرهما ؟ بل كان عثمان أكثر منه صيتا ، وأشرف منه مركبا ، والعيون إليه طمح ، والعدو عليه أحنق وأكلب . ولو قتل أبو بكر في بعض تلك المعارك هل كان يؤثر قتله في الاسلام ضعفا ؟ أو يحدث وهنا ؟ أو يخاف على الملة لو قتل أبو بكر في بعض تلك الحروب أن تندرس وتعفى آثارها وتنطمس منارها ؟ ليقول الجاحظ : إن أبا بكر كان حكمه حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجانبة الحروب واعتزالها . نعوذ بالله من الخذلان . وقد علم العقلاء كلهم ممن له بالسير معرفة وبالآثار والأخبار ممارسة حال حروب رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كانت ، وحاله عليه الصلاة والسلام فيها كيف كان ، ووقوفه حيث وقف وحربه حيث حارب ، وجلوسه في العريش يوم جلس ، وأن وقوفه صلى الله عليه وسلم وقوف رئاسة وتدبير ، ووقوف ظهر وسند ، يتعرف أمور أصحابه ويحرس صغيرهم وكبيرهم بوقوفه من ورائهم وتخلفه عن التقدم في أوائلهم ، لأنهم متى علموا أنه في أخراهم اطمأنت قلوبهم ولم تتعلق