الشيخ محمد اليعقوبي
100
فقه الخلاف
ولا يعقل ذهاب المنفعة عن الذهب والفضة لأن لهما قيمة في ذاتهما ، وإنما تذهب منفعتهما كعملة ، فالمناط هو كونهما عملة وليس كونهما ذهباً وفضة . بيان ذلك « 1 » : إن الإنسان لما جعل على هذه الأرض تجددت حاجاته وتنوعت كاحتياجه إلى الطعام والشراب واللباس ووسائط النقل ومستلزمات الراحة والتجمّل والكماليات وغيرها ، ولما كان كل شخص بمفرده لا يستطيع توفير احتياجاته لنفسه بنفسه أي يصنعها ويهيئها هو بنفسه لتعذر ذلك ، اقتضت الطبيعة الاجتماعية أن يكمل بعضهم بعضاً بمبادلة المتاع والحاجات بغيرها وهو ما كان يسمى بالمقايضة . ولما كانت الاحتياجات متكثرة - كالدار والسيارة والكتاب - والقيم مختلفة بحسب العرض والطلب وبسبب صعوبة نقل الأشياء لمبادلتها ولعدم توفر حاجة كل طرف عند الطرف الآخر ، التفت الإنسان - بلطف الله تبارك وتعالى - إلى ضرورة جعل وسيط لهذه المبادلات يكون أساساً لتقييم الأعيان والمتاع وتبتنى عليه المبادلات والمعاملات ، وقد اصطلحت المجتمعات البشرية على مواد مختلفة للتقييم كالملح مثلًا عند بعضهم ، لأهميته واشتداد الحاجة إليه وكذا الحنطة عند بعضهم الآخر . ثم بعد اكتشاف الذهب والفضة والالتفات إلى أهميتهما وتصاعد الطلب عليهما والرغبة فيهما أصبحا أساس التقييم للأشياء وأجور الأعمال وسَكَّت الحكومات العملات بهما ، وكانت هذه من أعظم النقلات الحضارية التي منّ الله تعالى بها على عباده ، وإليها يشير الإمام الباقر ( عليه السلام ) بما رواه الشيخ في أماليه بسنده عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) عن أبيه ( عليه السلام ) أنه ( سُئل عن الدنانير والدراهم وما على الناس ، فقال أبو جعفر ( عليه السلام ) : هي خواتيم الله في أرضه جعلها الله مصلحة لخلقه ، وبها يستقيم شؤونهم ومطالبهم فمن أكثر له منها
--> ( 1 ) وسيأتي تفصيل أكثر في المسألة السادسة والثلاثين من هذا الجزء بإذن الله تعالى .