السيد كمال الحيدري

12

منهاج الصالحين (1425ه-)

فإن قلت : كيف يُمكن للناس وعلى اختلاف مستوياتهم الذهنية والعلمية الوصولُ إلى اليقين وتحصيل العلم بشكل شخصيٍّ ومستقلّ في مسائل مهمّةٍ كالتوحيد والنبوّة والإمامة والمعاد ؟ ألا يكون هذا من التكليف بالمتعذّر أو المحال ؟ قلنا : إنّ المسائل العقائدية تنقسم إلى قسمين : الأوّل : العقائد الأساسية : كإثبات وجود الله تعالى وتوحيده ، ونبوّة الأنبياء وأصل عصمتهم ، والإمامة ، والمعاد ونحوها ؛ فإنّه لا يجوز فيها التقليد ، كما هو المشهور بين علمائنا ( قدّس الله أسرارهم ) بل يجب فيها تحصيل العلم واليقين من خلال البحث والنظر ، ولا يلزمُ منه أيُّ محذور ؛ وذلك لأنّ مثل هذه المسائل لمّا كانت محدودةً عدداً من ناحية ، ومنسجمةً مع فطرة الناس عموماً من ناحيةٍ أخرى ، على نحوٍ تكون الرؤية المباشرة الواضحة ميسورةً فيها غالباً ، وذات أهميّةٍ قصوى في حياة الإنسان من ناحيةٍ ثالثة ، كان تكليفُ الشريعةِ لكلّ مكلَّف بأن يبذل جهداً مباشراً في البحث عنها ، واكتشاف حقائقها ، أمراً طبيعيّاً ، ولا يواجه غالباً صعوبةً كبيرةً ، ولا يؤثّر على المجرى العمليّ لحياته ، ولئن واجه أحياناً صعوباتٍ كذلك ، فإنّه جديرٌ ببذل هذا الجهد لتذليل تلك الصعوبات . نعم ، إنّ البحث في هذا القسم من المسائل العقائدية ، إنّما هو بحسب اختلاف مستويات الناس الفكرية والعلمية ، فلم يكلَّف كلّ إنسانٍ النظرَ والبحثَ في هذه المسائل إلّا بالقدر الذي يتناسب مع مستواه ، ويصل به إلى قناعةٍ كاملةٍ بالحقيقة ، تطمئنّ بها نفسهُ ويعمرُ بها قلبه ، ويتحمّل مسؤوليتها المباشرة أمام ربّه ، ثُمَّ يكون حسابه عند الله بقدر تلك المعرفة . الثاني : العقائد الفرعية : كمعرفة حقيقة الصراط المستقيم يوم القيامة ، وتطاير الكتب ، وكذا معرفة حقيقة العصمة ومراتبها ، أو أنّ النبيّ ( ص ) والأئمّة ( عليهم السلام ) لهم ولاية تكوينيّة أم لا ؟ وهكذا عشرات ، بل مئات المسائل العقائدية الأخرى ، فإنّه لا يشترط فيها النظر والاجتهاد ، وإنّما يكفي فيها الرجوع إلى المتخصّصين والمجتهدين في مثل هذه المجالات ، لكن بشرطِ حصولِ الاطمئنان - أي العلم العادي - من كلامهم .