السيد كمال الحيدري

19

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

فلا ربَّ سواه ، بمعنى : الإقرار بأنه لا مُتصرّف ولا مدبّر سواه ، ولا أحد يملك لنفسه شيئاً من التدبير مستقلًا عن تدبيره سبحانه . إذا اتّضح لنا ذلك فإنَّ العناية القرآنية الفائقة بموضوعة التوحيد اقتضت التأسيس لموضوعة التوحيد الربوبي ، والنصّ الآنف الذكر من آية الكرسي يُمهِّد بل يُحقّق لنا ذلك ، ولذلك يعتبر التأسيس للتوحيد في الربوبية من امتيازات آية الكرسي ، بل هي تُعبّر عن ذلك التوحيد بأرقى صوره ومراتبه ، وهذا التأسيس جعل هذه الآية بالغة الشرف والتقدّم والرفعة . قال الطباطبائي : ( وليس إلا للاعتناء التامّ بها وتعظيم أمرها ، وليس إلا لشرافة ما تدلّ عليه من المعنى ورقّته ولطفه ، وهو التوحيد الخالص المدلول عليه بقوله : الله لا إله إلا هو . . . ) « 1 » . ولا يخفى بأنَّ هذا التعبير الكاشف عن التوحيد وإن جاء في نصوص قرآنية أُخرى إلا أنها اكتفت بالإجمال دون التفصيل ، بخلاف ما عليه الحال في آية الكرسي ، وقد تقدَّمت الإشارة لذلك « 2 » . ولا ريب بأنَّ أُولى أهداف تفسيرنا لهذه الآية الشريفة هو استشراف معاني التوحيد من خلالها ، وقد عرفت بأنَّها تتعرَّض لأهمّ فصول التوحيد ، وهو التوحيد في الربوبية المُستبطن للتوحيد في الألوهية وللتوحيد الأفعالي ، فما دام لا إله إلا هو فإنه لا بدَّ من توحيده ربوبياً وصفاتياً وأفعالياً . إنَّ هذا النصّ التعريفي بالتوحيد الذاتي هو المدخل الأوّل لمعرفة الله تعالى ، ولكنه تعريف إجمالي يحفّه الإبهام ، لاسيَّما بعد الانتقال من الاسم العلم إلى الضمير الغائب الموغل في الإبهام ، وفي ذلك إشارة إلى بُعد المنال ، وأنَّ المعرفة الذاتية الكُنهية مُوصدة الأبواب ، كما جاء ذلك صريحاً في كلمة أمير

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، للعلامة السيد محمد حسين الطباطبائي : ج 2 ، ص 337 . ( 2 ) في الجزء الأول من الكتاب تحت عنوان : ( فضل آية الكرسي ) . .