السيد كمال الحيدري
94
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الزاوية الثانية : السلوكية العملية وهي الزاوية المتمثّلة بالسير في طريق واحد ، وهو طريق النور ، والكفّ عن الطُّرُق الغيرية ، وهي طُرُق الظلمات ، وهذا ما يُمكن رصده في : 1 . قوله تعالى : مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، والتشفّع وطلب الشفاعة سلوك عملي أُخروي يقوم به أصحاب المقامات المقبولة عند الله تعالى ، وهنالك شفاعة دنيوية تسير باتجاه تحصيل الكمال ، كمن يُشفَّع له عند إمام زمانه عليه السلام لقبوله عنده وشموله بالعناية والرعاية ، فتحصيل رضا الإمام عليه السلام له شأن عظيم في المسيرة المعرفية والعملية للسالك ، فهنا يدلُّنا هذا المقطع بصورة غير مباشرة إلى تحصيل المقام المعنوي الذي ينال به الإنسان الشفاعة لنفسه ولغيره ، ولهذا المقطع أبعاد أُخرى أعمق وأشرف سوف نأتي عليها في موردها إن شاء الله تعالى . 2 . وقوله تعالى : فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ ، فإنَّ الجنبة العملية المتوخّاة من الإيمان بالله تعالى والكفر بالطاغوت هو التمسّك بالعروة الوثقى الموصوفة بأنها لا انفصام لها ، وهذا المقام يعكس لنا بقوّة ما عليه المحور المُلتقى ، فهو نفسه العروة الوثقى التي ما خاب من تمسَّك بها وأمن من لجأ إليها ، ومعنى التمسّك الحقيقي فيها هو تحصيل ملاكات التمسّك بكمالاتها ، لا مجرّد اللقلقة اللسانية التي لا تتجاوز الحدود اللفظية . 3 . وقوله تعالى : يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ، وذلك الإخراج هو الأثر العلمي الأعظم للإيمان بالله تعالى والكفر بالطاغوت ، وهو الحاكي الأبرز لمعنى التمسّك بالعروة الوثقى ، بمعنى أنَّ أرضية وحقيقة هذا التمسّك هو نفس الإخراج من الظلمات إلى النور ، وبخلاف ذلك فهو التنصّل عن العروة الوثقى الذي نتيجته أو حقيقته الخروج من النور إلى الظلمات .