السيد كمال الحيدري

69

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

هذا ، ولهم مقامات أُخرى تُخرجنا عن محلِّ الحاجة في هذا البحث ، ولا نظنُّها تفي بالغرض ، فما هم عليه خارج عن حدود المكنة بالوصف فضلًا عن الاتّصاف به لغيرهم من مفردات الممكن ، وما هذا الوصف منّا إلا عجز تكويني واقعي عن المكنة في عرض مزاياهم . قال المظفر رحمه الله : ( وأما الاعتقاد فيهم بأنَّ الله منحهم مواهب جليلة ، وصفات نبيلة ، لا يبلغ مداها ولا يعرف كنهها ، فليس من الغلوّ في شيء ؛ إذ لا يلزم من ذلك خروجهم عن البشرية ، أو مشاركتهم لله سبحانه في شيء من صفاته الخاصّة . ومهما اعتقدنا فيهم من شيء فلا نبلغ فيه مراقيهم القدسية الرفيعة ، ولو لم يعلموا أننا لا نصل إلى تلك الرتب السامية التي يعرفونها لأنفسهم ، لما قالوا لنا : نزّهونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم ، لعلمهم بأننا مهما سبق لنا فيهم من قول وكان دون القول في الله الخالق تعالى ، فلا يكون خروجاً عن مستواهم وغلوّاً فيهم ) « 1 » . والغلوّ الحقيقي هو أن تصفهم بالصفات الخاصّة بالله تعالى ، وقد ورد في ذلك عن إسماعيل بن عبد العزيز قال : ( قال أبو عبد الله الصادق عليه السلام : يا إسماعيل ضع لي في المتوضّأ ماء . قال : فقمت فوضعت له . . . فدخل . . . فقلت في نفسي : أنا أقول فيه كذا وكذا ويدخل المتوضّأ يتوضّأ . قال : فلم يلبث أن خرج فقال : يا إسماعيل لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم ، اجعلونا مخلوقين وقولوا فينا ما شئتم فلن تبلغوا . فقال إسماعيل : وكنت أقول إنّه وأقول وأقول ) « 2 » . فقوله عليه السلام : ( لا ترفع البناء فوق طاقته فينهدم ) ، أي لا تصفنا بصفات الله تعالى الخاصّة به ، كالألوهية والربوبية وما شابه ذلك ، وما عدا ذلك فهو لنا ، ولن تبلغوا وصف كُنهنا فضلًا عن الاتصاف به ، وللوقوف على حقيقة

--> ( 1 ) علم الإمام عليه السلام ، للشيخ العلامة محمد الحسين المظفر : ص 76 . ( 2 ) بحار الأنوار : ج 25 ، ص 279 ، ح 22 ، كتاب الإمامة ، باب نفي الغلوّ . .