السيد كمال الحيدري
65
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الثامن : المحورية في بُعدها التفسيري إنَّ المهامّ التفسيرية ، مهما اختلفت نوعاً وكمّاً بلحاظ النظرية التفسيرية وشخصية القارئ المُتخصِّص ، فإنها تتَّجه عادةً إلى فكّ الرموز الظاهرية للنصّ ، ولذلك تكاد أن تنحصر الحركة التفسيرية في عالم الظواهر للنصّ ، وهذا الظاهر تارة يكون غنيّاً عن الاستعانة بغيره ، وهو مُقتضى الأصل فيه ، كما في قوله تعالى : . . . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا . . . ( البقرة : 275 ) ، فحلّية البيع وحرمة الربا جاءتا بلفظين ظاهرين في معناهما بما لا حاجة لهما لتنبيهٍ أو إلفات نظرٍ أو تبيين ، وهذا مُفسَّر بنفسه فلا حاجه به للتفسير . وتارة يحتاج إلى إلفات وتنبيه ، نظراً لاحتمال وقوع الخطأ في تشخيص القارئ ، كما في قوله تعالى : يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ( الفتح : 10 ) ، فإنَّ اليد لا يُراد بها العضو الحسّي ، لأنَّ الله تعالى وجود بسيط تامّ التجرّد ، وهذا واضح ، ولكنه قد يحتاج إلى تنبيه ، أو كما في قوله تعالى : إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا . . . ( البقرة : 158 ) ، فإنَّ قوله : ( فَلَا جُنَاحَ ) ، لا يُراد به مُجرَّد حصول الإذن بالطواف والسعي بين الصفا والمروة ، أو استحبابهما ، فإنَّ السعي بينهما واجب شرعي ويبطل الحجّ بتركه ، وإنما يُراد به أنَّ السعي الواجب بينهما صحيح حتى مع وجود الأصنام في أعلى الصفا والمروة سابقاً « 1 » ، وهذا الأمر يحتاج إلى إلفات نظر وتنبيه ، وهذا داخل في مراتب التفسير ، وهو أدنى مراتبه . وتارة يكون بحاجة إلى تبيين ، كما هو الحال في تفصيل ما أجمله القرآن الكريم ، كما هو الحال في قوله تعالى : . . . وَلِلهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ( آل عمران : 97 ) ، فإنَّ مناسك
--> ( 1 ) راجع سبب نزول هذه الآية الكريمة ، منه ( دام ظله ) . .