السيد كمال الحيدري
45
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الأمر الثاني : أهمّية الموقعية وضوابطها تكمن أهمّية الموقعية في بيان حدود الحركة التفسيرية والتأويلية لكلّ آية أو نصّ قرآني ، فهذه الموقعية لا تقتصر على شخص الآية فحسب ، وإنما تتجاوزها إلى موقعيات أُخرى للسورة الواحدة وللموضوع الواحد الذي تنتشر تفصيلاته عادة في أكثر من سورة ، ولكن الآية الواحدة حيث مدخليتها المباشرة في رسم ملامح السورة والموقف القرآني العامّ فإنّ لها الحظّ الأوفر من البحث . إنَّ الجهل بالموقعية التفسيرية والتأويلية لكلّ آية عموماً وللآيات الوتدية خصوصاً يجعل القارئ المُتخصّص في منأى عن مناخات الفهم الحقيقية ، فربما ينجح القارئ المُتخصّص تفسيراً في بيان مفاد الآية الواحدة تجزيئياً ولكنه سوف يكون قد أبرز البيانات الأوّلية للآية ، أو بعبارة أُخرى قد أبرز الموقف الآياتي ، وأما البيانات الثانوية التي تمتدّ لبيان الموقف القرآني وليس الآياتي فله ارتباط وثيق بموقع الآية في السُّلَّم القرآني ، من هنا تتعمَّق لدينا أهمّية موقعية كلّ آية . بعبارة أُخرى : إنَّ التفسير الموضوعي تحديداً وجميع المستويات التأويلية ذات صلة وثيقة بموقعية الآية في السُّلَّم القرآني ، هذا على مستوى النظرية والصورة والشكل ، وأمّا على مستوى التطبيق فالمسألة بالغة التعقيد ، بل إنَّ الكثير من محطّاته ومستوياته بحاجة إلى رؤية معصومة ، التي نعني بها خاصّية العلم وليس خاصّية عدم الخطأ فحسب ، فالعلم مُستوى أشرف من مستوى عدم الخطأ ، فالتفاضل الواقع بين الأنبياء عليهم السلام حيثيته العلم وليس عدم الخطأ « 1 » ، وهذا واضح .
--> ( 1 ) قال تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ . . . . البقرة : 253 ، فالتفضيل ورفع الدرجات لهما حيثية واحدة وهي المقام المعرفي والمعنوي ، وأما عدم الخطأ فمُحصَّل بأصل العصمة المُحرز من قبل جميع الأنبياء / / والرسل عليهم السلام ، ولذلك عبَّر السيد الأُستاذ بالرؤية المعصومة ولم يُعبّر بأصل العصمة ، حيث أراد أن يُشير إلى حيثية العلم الأعلائي ، ولعلّه حاول الإشارة إلى أنَّ أصل العصمة - التي حيثيتها مرتبة علمية معيّنة - قد لا تفي بسبر غور القرآن الكريم ، فالقرآن الكريم هو الكتاب الأوحد الذي تجلَّى الله تعالى فيه بكماله وجماله وجلاله ، وهو الكتاب الأوحد الذي يُقابل عالم التكوين الإمكاني بأسره ، والذي لم يتمكَّن منه سوى قلب النبي صلى الله عليه وآله أصالة ، قال تعالى : وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المُنذِرِينَ . الشعراء : 192 - 194 ، ومن عنده علم الكتاب وراثة ، قال تعالى : . . . قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ . الرعد : 43 ، قال الإمام محمد الباقر عليه السلام عندما سُئل عن تفسير هذه الآية : ( إيانا عنى ، وعليٌّ أوّلنا وأفضلنا وخيرنا بعد النبي صلى الله عليه وآله ) . انظر : أُصول الكافي : ج 1 ، ص 229 ، ح 6 . ولمراجعة التفصيل يُراجع كتاب : ( بحث حول الإمامة ) حوار مع السيد كمال الحيدري : ص 208 . .