السيد كمال الحيدري
406
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
مثل مودّتهم مثل الأمر بوجوب عبادة الله تعالى وحده ، فقد ألزمَنا سبحانه بذلك دون أن ينتفع بشيء منه ، وحاشاه من ذلك ، إنما النفع عائد أوّلًا وآخراً علينا بعبادتنا له سبحانه ، وهكذا هي مودّتهم ، ولا ريب بأنَّ هذا الاقتران والتماثل يجعلان الإنسان العاقل المتدبّر يتأمَّل كثيراً في سرِّ وجوب حبّهم ومودّتهم . إذن ، فلماذا هذا الوجوب واللزوم بمودّتهم ، مع أنَّ المنتفع بذلك هو المُحبّ وليس المحبوب ؟ وبعبارة أُخرى : ما هي فائدة الحكم بوجوب مودّتهم ما داموا هم غير المنتفعين بذلك ؟ إنَّ هذا التشديد على لزوم مودّتهم يحمل في طيّاته لزوم متابعتهم ، فكيف تجتمع هذه المودّة والمحبَّة المدَّعاة مع مخالفتهم ؟ أَوَ ليس عزلهم وتركهم وسلبهم ما أراد الله تعالى لهم من الولاية يُشكِّل تناقضاً لدعوى محبَّتهم ؟ أَوَ ليست دعوى الحبّ والمودّة لهم عليهم السلام أن لا نوالي أعداءهم ؟ لقد ذكر جملة من المُحقِّقين بأنَّ أقرب الطرق للاتباع هو تحقّق الحبّ والمودّة ، فالعلم وإن كان مؤثّراً وله نصيبه ولكنَّ العاطفة والعلاقة الوجدانية أعمق تأثيراً ، وأشدّ سطوة على سلوك المُحبّ باتجاه المحبوب ، و : ( هل الدِّين إلّا الحبّ ) « 1 » ؟ نعم ، إنَّ : ( الدِّين هو الحبّ ، والحبّ هو الدِّين ) « 2 » ، وليس المراد من الحبّ والعاطفة في المقام بُعدها الساذج ، وإنما هو الحبّ المسؤول والمودّة العبادية والعاطفة الدينية المُلتزمة ، فمن صدر منه ما يُخالف ذلك سقط عنه كلّ ذلك ، بذلك تبطل دعوى القائلين بالجمع بين مودَّتهم عليهم السلام واتّباع غيرهم ، فذلك ما لا يكون ولا يستقيم ، وإن كان فلن يُوافق القبول ، والله سبحانه وتعالى إنما يُريد أن يُعبد في السماوات والأرض من حيث يُريد لا من حيث
--> ( 1 ) الرواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام . الخصال : ج 1 ، ص 21 ، ح 74 . ( 2 ) الرواية عن الإمام الباقر عليه السلام . تفسير نور الثقلين : ج 5 ، ص 285 ح 49 . .