السيد كمال الحيدري

377

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ( يونس : 32 ) . وأخيراً فإنَّ التمسّك بالعروة الوثقى هو تمسّك بثبات المبدأ ، فمن وجوه الأوثقية في المقام هو إغلاق أبواب الشبهات ، وذلك من خلال الكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى ، وعادة ما تكون الشبهات طاغوتية المنشأ والمولد ، فيكون التمسّك بالعروة بصفتها الوثقى هو طرداً لجميع الشبهات ووقاية منها ، فهي السدّ الأمين الذي لا يخذل صاحبه ، لأنه تمسَّك : ( بالعصمة الوثيقة ، وعقد لنفسه من الدين عقداً وثيقاً لا يحلّه شبهة ) « 1 » . قوله تعالى : ( وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) إنَّ الكفر بالطاغوت والإيمان بالله تعالى له بعدان على مستوى الفعل ، الأوّل البعد اللفظي ، وهو إظهار الكفر بألفاظ معلومة ، ولإظهار الإيمان بإعلان الشهادة ، وهنالك بعد قلبي اعتقادي ، وهذا البعدان بحاجة إلى رصد من قبل الجهة التي أُعلن الإيمان بها ، فاحتاج البعد اللفظي إلى سماع ، واحتاج البعد الباطني إلى علم ، وهكذا جاء هذا الاسم التركيبي لِيُعبِّر عن هذه الحقيقة ، وهو قوله تعالى : ( وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ، وقد بالغ في التعبير فاستخدم صيغة المُبالغة في الأمرين معاً ، فلم يُعبِّر بالسامع العالم ، وإنما بالسميع العليم ، لِيُدلِّل لنا على شدّة إحكام الرصد الإلهي ، وبالتالي فما يصدر من ألسنتنا من كفر بالطاغوت وإيمان بالله تعالى فهو سميع له ، وما يصدر منّا من اعتقاد قلبي في ذلك فهو عليم به ، وهذا الجانب يُوفّر طمأنينة كاملة لِمن يُريد أن يُعلن إيمانه ، فلا حاجة له إلى الإشهاد على فعله ، ولا حاجة للتثبّت من وثاقة الشهود على ذلك ، كما أنه يُشكِّل عائقاً خطيراً أمام غير الصادقين بكفرهم بالطاغوت وإيمانهم بالله تعالى ، إذ لا تخفى على الله تعالى خافية ، ومن عظمة ذلك : أنَّ الإنسان المؤمن يُمكنه أن

--> ( 1 ) مجمع البيان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 161 . .