السيد كمال الحيدري

357

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

فلا يختلط عليهم الأمر ، ولا تعترض عليه الخاصَّة فيسقط قوله عن الاعتبار ، والخاصّة هم العلماء من أصحاب الاختصاص في المعارف الدينية . ولا ريب بأنَّ هنالك شروطاً أُخرى لا يسع المقام باستقصائها ، إلا أنها جميعاً تُسهم إلى حدٍّ كبير في صُنع الشخصية القادرة على تبيين الرشد من الغيّ ، فإنَّ الهدف الحقيقي الذي ينبغي للمبلّغ السير باتجاهه في وظيفته التبليغية تكمن في تبيين الرشد من الغيّ ، لا أن يُوقع الناس في شبهات عويصة وفي ضياع وهرج ومرج ، فالتبليغ لا يكمن في إيصال المعلومة لغير العالم بها ، وإنما في تحقيق واقعية التبيين بين الرشد والغيّ ، لتتمّ الحجّة بذلك لله تعالى على من وصل إليه التبيين ، فإنَّ الرشد والغيّ أشبه بالبحرين المُتلاطمين المُتصارعين ، ولا يكون الرشد رشداً إلا بعد إزالة شُبه الباطل عنه ، ولا يكون الغيّ غيّاً إلا بعد إزالة شُبه الحقّ فيه ، فالرشد عذب فرات ، والغيّ ملح أُجاج ، وما أقرب ذلك لقوله تعالى : وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ . . . ( فاطر : 12 ) . من هنا نجد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله يُوجِّه الأُمّة إلى من تستمع وممَّن تأخذ ، فيقول مُحذّراً : ( لا تجلسوا عند كلّ داعٍ مدّعٍ ، يدعوكم من اليقين إلى الشكّ ، ومن الإخلاص إلى الريا ، ومن التواضع إلى التكبّر ، ومن النصيحة إلى العداوة ، ومن الزهد إلى الرغبة ، وتقرَّبوا من عالم يدعوكم من الكبر إلى التواضع ، ومن الريا إلى الإخلاص ، ومن الشكّ إلى اليقين ، ومن الرغبة إلى الزهد ، ومن العداوة إلى النصيحة ) « 1 » . وفي ضوء هذا الحديث الشريف يترشَّح أمامنا معنى آخر للتبيين غير ما تقدّم منّا في التفسير المفرداتي لهذه المفردة ، أو هو تعميق للمعنى اللغوي ، فقد عرفت هنالك أنَّ التبيين لغةً هو الإيضاح والوضوح والظهور أيضاً ، فتقول

--> ( 1 ) عدّة الداعي ، لابن فهد الحلي : ص 69 . .