السيد كمال الحيدري

35

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

تطبيق المسألة النموذج التطبيقي لجهة الحاكوية عن الإشارة ومنها للَّطائف ثمَّ الحقائق هو قوله تعالى : قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ ( الملك : 30 ) ، فالوجه التفسيري للآية توجيه الخطاب للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بأن يستفهم ويُحذّر قومه بأنَّ الله تعالى إذا سلبهم نعمة وجود الماء وذلك بأن تصبح آبارهم غوراً ، أي يذهب ماؤها في الأرض فتغور كما تغور الشمس بحلول الليل ، والنجوم بحلول النهار ، فعندئذ من ذا الذي يأتيكم بماء آخر ظاهر تستعينون به على حياتكم ؟ والغور هو شدّة العمق ، وهو مصدر جيء به للدلالة على المبالغة ، كما لو قلت : زيد عدل ، لغرض المبالغة ، بمعنى زيد كلُّه عدل ، فيكون المفاد ماؤكم كلُّه غور ، فلا باقية منه أبداً ، والمعين هو الماء الذي تراه العيون ، وقيل بأنه الماء المُمعن في الجري والظهور « 1 » ، فالغور ذهاب الماء ونضوبه في الأرض ، والمراد به الغائر ، والمعين الظاهر الجاري من الماء ، والمعنى : أخبروني إن صار ماؤكم غائراً ناضباً في الأرض فمن يأتيكم بماء ظاهر جارٍ « 2 » ، وقيل : إنَّ الآية نزلت في بئر زمزم وبئر ميمون بن الحضرمي ، وقد كانت آبار مكّة تغور سراعاً « 3 » ، وهذه المعاني التفسيرية العبائرية هي السقف الظلّي للمعنى الإشاري كما تقدَّم . وأما الوجه التأويلي على مستوى الإشارة فهو للإشارة إلى أن حياتكم بيد الله تعالى فلا تنبغي منكم المُماطلة والتكذيب ، فعرب الجزيرة آنذاك لم يكن لديهم شيء أثمن من الماء ، فإذا هُدِّدوا به انتهت حياتهم ، فالتعبير بالماء يُشير إلى

--> ( 1 ) انظر : التبيان في تفسير القرآن ، للشيخ الطوسي : ج 10 ، ص 72 . ( 2 ) انظر : الميزان في تفسير القرآن ، للعلامة الطباطبائي : ج 19 ، ص 365 . ( 3 ) فتح الباري ( شرح صحيح البخاري ) ، لابن حجر العسقلاني : ج 8 ، ص 506 . .