السيد كمال الحيدري

347

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

إنه ليس جهاداً دفاعياً عن بيضة الإسلام ليُقال بأنه جهاد ابتدائي محض ، وإنما هو جهاد ودفاع عن الحقّ الفطري المحفوظ لكلّ إنسان ، فالممانعون يحاولون غزو الفطرة وإلغاء دواعيها ، ولذلك فمواجهتهم ضرب من ضروب الجهاد الدفاعي ، وقد عبَّر القرآن الكريم في أكثر من موضع بأنَّ هذه المواجهة مواجهة دفعية وليست ابتدائية ؛ قال تعالى : الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ( الحج : 40 ) ، وفي نصٍ آخر : . . . وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( البقرة : 251 ) . وبالتالي فقبول الناس للإسلام ليس بحاجة إلى إكراههم عليه ، وإنما هو بحاجة إلى رفع المانع لا غير ، فالدين أمر فطري متى ما رفعت الموانع أمامه تحرَّكت فطرة الإنسان السليمة باتجاهه . فالعملية دفعية محضة ، والتنافي المتصوَّر في المقام بين آيات الجهاد وآية نفي الإكراه لا موضع له البتّة ؛ ولعلّ هذا من أدقّ المعاني القرآنية التي لا يبلغها من أهل العلم إلا من كان ذا حظ عظيم ، فضلًا عمَّن سواهم ، وهذا ما ينبغي مراعاته في عرض البيانات القرآنية . ولقد كان موسى عليه السلام مُلتفتاً جدّاً إلى أنَّ اليهود لا يمنعهم من متابعته سوى سلطة فرعون وممانعته ، فعمل على رفع المانع ، وقد كان يطلب من فرعون تسريح اليهود المُستضعفين آنذاك معه ، وهو قوله تعالى : وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَن لَّا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُم بِبَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ( الأعراف : 104 - 105 ) ، فهؤلاء المُستضعفون إذا تركتهم لي سوف يتَّبعونني ، ولكنَّ فرعون لم يستجب لذلك ، والسرّ في عدم استجابته هو علمه ويقينه بأنَّه لو ترك لليهود الخيار بين المكوث معه أو المسير مع موسى عليه السلام لَما اختاروا على موسى