السيد كمال الحيدري

341

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

إلى يوم يلقون ربّهم فيحاسبهم ، ألا هل بلّغت ؟ قالوا : نعم ، قال : اللهمَّ اشهد ) « 1 » ، وهو نصّ صريح بإكراه المقابل حتى يرضخ للإسلام ، وهو أمر غير محدّد بوقت معيّن ، فجهاد الكفَّار قائم إلى يوم القيامة ، بحسب النصّ . والجواب عن ذلك هو : أنَّ دعوى النسخ باطلة ، وقد تقدّم بيان ذلك في الأمر الثالث - دعوى نسخ قوله تعالى : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ - فراجع . ولكننا قد وعدنا بإجابة أُخرى تتعلَّق بفقرة البحث ، وهي كالتالي : إنَّ حقيقة النسخ لا تقتصر على نفي الحكم المنسوخ ، وإنما لابدَّ من نسخ علّة الحكم المنسوخ أيضاً . فصلاة الآيات - مثلًا - لو قال لنا الشارع المقدَّس بأنها واجبة لأنها أمان للناس من الخطر ، فعلّة وجوبها هو كونها أماناً للناس ، فلو تصوّرنا مجيء ناسخ لوجوب صلاة الآيات فلابدَّ أن يكون ناسخاً لعلّة الحكم أوّلًا ، ثمَّ يكون ناسخاً لنفس الحكم ، فحقيقة النسخ تعني انتهاء الحكم المنسوخ بانتهاء أمده ، وانتهاء أمده يعني زوال مصلحته ، فيكون العمل به مع وجود الحكم الناسخ مفسدة . وعليه فلكي تكون آيات الجهاد ناسخة لحكم نفي الإكراه في الدين فلابدَّ أوّلًا من نفي علّة الحكم المُدَّعى نسخه ، وعلّة الحكم - كما هو المختار - هو قوله تعالى : قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، ومن الواضح جدّاً بأنَّ هذا التعليل باقٍ ما بقي الإسلام ، ومع بقاء العلّة لا معنى لانتفاء معلوله ، ولذلك لا تصلح أن تكون آيات الجهاد ناسخة . قال الطباطبائي : ( ويظهر ممَّا تقدّم أنَّ الآية - أعني قوله : لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ - غير منسوخة بآية السيف كما ذكره بعضهم ؛ ومن الشواهد على أنَّ الآية غير منسوخةٍ التعليلُ الذي فيها ، أعني : قوله : قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فإنَّ الناسخ ما لم ينسخ علّة الحكم لم ينسخ نفس الحكم ، فإنَّ الحكم باقٍ ببقاء

--> ( 1 ) دعائم الإسلام : ج 2 ، ص 402 ح 1409 . .