السيد كمال الحيدري
335
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاء حَتَّى تَضَعَ الحَرْبُ أَوْزَارَهَا . . . ( محمد : 4 ) . وأما إن كانوا ضمن دولة مُسالمة فلا ضير عليهم ، بل يصحّ التعاون معهم مطلقاً ، ما لم يلزم من ذلك ذلّة أو ضعف للإسلام والمسلمين ، فكيف إذا كان في علاقاتنا معهم قوّة حقيقية ودعامة فعلية لنا ، كما هو واقع الحال ، وبالتالي فلهؤلاء أن يبقوا على ما هم عليه دون أن يُلزموا بأيّ دين سماوي فضلًا عن الدين الإسلامي ، ما داموا مُسالمين ؛ لقوله تعالى : وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( الأنفال : 61 ) ، وهو خطاب مطلق ، وروي عن ابن عباس بأنه منسوخ بآية السيف ، وعن مجاهد بأنه خطاب خاصّ بأهل الكتاب « 1 » ، وهما قولان ضعيفان ، لا اعتبار لهما . وأمّا الثاني فيترتّب عليه أمران ، الأوّل عدم شمول الملاحدة والمشركين بالخطاب ، فلابدَّ أن يُكرهوا على الإسلام ، أو أنهم غير معفيين من الإكراه كقدر مُتيقَّن ، والثاني هو عدم إلزام الكتابيين بدخول الإسلام ما لم يكونوا مُحاربين للإسلام ، سواء كانوا أفراداً أم كياناً ودولة مُستقلّة ، فإن كانوا مُحاربين وفي الإسلام شوكة ومكنة على دحرهم وجب قتالهم وإلزامهم بأحد أمور ثلاثة ، وهي القتل أو دخول الإسلام أو دفع الجزية وهم صاغرون ، أي : دفع الجزية دون أن يكون لهم شرط أو فرض ، وهو قوله تعالى : قَاتِلُواْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ( التوبة : 29 ) ، وللإمام العادل أن يمنَّ على أسراهم بالعفو أو إلزامهم بدفع الفدية ، علماً بأنَّ قوله تعالى : ( قَاتِلُوا ) يُراد به قاتلوا الذين يُقاتلونكم لا المسالمين منهم ، فهؤلاء لم يُشرَّع قتالهم ، ولا يصحّ إلزامهم بالدين الإسلامي .
--> ( 1 ) انظر : تفسير الجلالين : ص 237 ، رقم : 61 . .