السيد كمال الحيدري

328

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

والتخصيص لأنها تعتمد على كون المراد من الإكراه ما يقابل الرضا ، لا ما يقابل الاختيار ، وهو باطل لوجوه ثلاثة ، وهي : الأوّل : إنه لا دليل على ذلك . الثاني : لأنَّ الدين أعمُّ من الأصول والفروع ، وذِكرُ الكفر والإيمان بعد ذلك ليس فيه دلالة على الاختصاص بالأصول فقط . الثالث : لأنه لا يناسبه قوله تعالى : قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ، وبالتالي فالحق : أنَّ المراد بالإكراه في الآية ما يقابل الاختيار ، وأنَّ الجملة خبرية لا إنشائية ، والمراد من الآية الكريمة هو أنَّ الشريعة الإلهية غير مبتنية على الجبر ، لا في أصولها ولا في فروعها ، فلا يُجبَر أحدٌ من خلقه على إيمان ولا طاعة « 1 » . قال الشيخ الطوسي : ( المراد بذلك لا إكراه فيما هو دين في الحقيقة ، لأنَّ ذلك من أفعال القلوب إذا فعل لوجه بوجوبه ، فأما ما يكره عليه من إظهار الشهادتين ، فليس بدين ، كما أنَّ من أُكره على كلمة الكفر لم يكن كافراً ) « 2 » . ثمَّ إنَّ الإكراه إن كان تكوينياً ، فهو كما تقدَّم ، وإن كان تشريعياً فلا معنى له في المقام ، أضف إلى ذلك أنَّ الله تعالى لم تقتضِ حكمته إكراه أحد على شيء ، وإن كان سبحانه قادراً على ذلك ، ولكنه سيكون مُفضياً لنقض فلسفة الثواب والعقاب ، فإذا لم يكن ذلك الإكراه مُنسجماً مع فلسفة الخلق وفلسفة الثواب والعقاب ولم يحصل الإكراه منه تعالى البتّة فمن البيِّن أن لا يصحّ صدور ذلك من غيره ، بل لا معنى لصدوره لعدم المكنة أوّلًا ، ولعدم الحكمة ثانياً ؛ قال تعالى : وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ ( يونس : 99 ) ، أي : نحن القادرون على إكراه الناس على ذلك - بسلطتنا التكوينية التي لا رادّ لها البتّة - لم نقم به ، لبطلانه ونفيه للغرض

--> ( 1 ) انظر : المصدر السابق : ص 307 - 308 . ( 2 ) التبيان في تفسير القرآن : ج 2 ، ص 311 . .