السيد كمال الحيدري
324
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الدين وإن كان غير ممكن إلا أنَّ نفس ممارسته عمل مُحرَّم ، فإنشائية الجملة تُحوِّل الحكم الوارد فيها من حكم إرشادي مفاده أنَّ أصل الإكراه غير ممكن تكويناً ، إلى حكم مولوي مؤدّاه أنَّ الإكراه التكويني ممكن ولكنه منهيّ عنه ، وقد عرفت بأننا لا نشترط في مورد كهذا إمكان الفعل ليأتي الحكم بالنهي عنه ، حيث ذكر الأعلام بأنَّ الأحكام المولوية لابدَّ من إمكان تحقّق موضوعها ، فالكذب - مثلًا - ليس لأنه خلق بذيء فنُهي عنه ، وإنما لأنه ممكن وقوعه أيضاً ، وإلا مع عدم إمكانه لا معنى للنهي عنه ، كما قيل : يُحرم السكن في كوكب الشمس ، فهذا التحريم لغوي لأنَّ أصل السكنى في الشمس غير ممكن عادة . وهنا نقول بأنَّ أصل القاعدة صحيح ومُسلّم به ، ولكنها لا تنطبق على هذا المورد ، فإنَّ الفعل المحال وقوعه هو نفس الإكراه القلبي ، لأنه أمر قلبي تكويني لا يمكن حصوله بالإكراه ، ونحن لم نلتزم بإمكان وقوعه أيضاً ، وإنما نقول - وكما سيأتي بيانه أيضاً - بأنَّ هنالك ثقافة سلبية سائدة في تأريخ حركة الإنسان ، مارسها الطغاة السابقون وورثها اللاحقون ، وهي ثقافة قائمة إلى يومنا هذا تعمل على مصادرة حقّ الإنسان في الانتخاب ، وإلغاء البعد القيمي فيه ليكون بفعل هذه الثقافة البذيئة والسياسة الإقصائية مجرّد رقم يُراد منه تكثير السواد ، ولذلك جاءت الآية لتنهى عن هذا السلوك السلبي الداعي لإلغاء حرية الإنسان واختياره ، فالطغاة لا يستطيعون تحقيق الإكراه القلبي والسلوكي في نفس وقلب المُتلقّي ، ولكنهم يستطيعون سلب إرادته واختياره للحقّ والعمل في ضوئه ، وهذا هو معنى الاستضعاف في الأرض ، فأرادت الآية أن تواجه هذا السلوك الاستضعافي ولكي يُترك للإنسان حقّ الاختيار دون أن تُمارس في حقّه ضغوطات جانبية موجّهة له بالقوّة نحو ما يكره . وعلى أيّ حال ، فإنَّ ظاهر كلمات الأعلام هو ميلهم إلى إخبارية الجملة ،