السيد كمال الحيدري
79
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الخزائن الإلهية ، فالآية ليست مختصّة بشيء دون آخر . قال الطباطبائي : ( إنّ ظاهر قوله : وَإِن مِّن شَيْءٍ ، على ما به من العموم بسبب وقوعه في سياق النفي مع تأكيده ب - « من » : كلّ ما يصدق عليه أنّه شيء من دون أن يخرج منه إلّا ما يخرجه نفس السياق ، وهو ما تدلّ عليه لفظة « نا » و « عند » و « خزائن » . وما عدا ذلك ممّا يُرى ولا يُرى مشمول للعامّ ) « 1 » . إنّ هذه الخزائنية الإلهية الواردة في الآية الشريفة بصيغة الجمع « 2 » هي جميعاً فوق عالمنا المادّي المشهود بحكم انتسابها إلى ما عند الله ، ومن الواضح للعيان أنّ ما عند الله باقٍ وغير زائل البتّة « 3 » ، بخلاف ما عليه الأشياء في هذه النشأة المادّية المحسوسة فإنّها متغيّرة فانية لا تتّسم بالثبات ولا البقاء « 4 » . وعلى أيّ حالٍ ، فتلك الحقيقة الواقعية الخارجية ذات المراتب الوجودية الكامنة في خزائن الله تعالى غير المشهود حسّاً هي الوجود العيني الذي يراد به التأويل . فالتأويل - بحسب هذا القول الأخير من الرؤية الثانية - ليس مرتبة معرفية سقفها عالم الألفاظ والمفاهيم والمعاني ، وإنمّا هو مرتبة وجودية واقعية خزائنية تقف خلف هذا الوجود اللفظي للقرآن الكريم ، ثمَّ إنّ التأويل لا تنحصر دائرته بآيات معيّنة - كما قد يتوهّم البعض - وإنمّا هو دائرة محيطة بالقرآن من بائه إلى سينه . إذا اتّضح لنا هذا المعنى الدقيق للتأويل فإنّه سوف يبرز أمامنا وجه
--> ( 1 ) انظر : الميزان في تفسير القرآن : ج 12 ، ص 143 . ( 2 ) « الخزائن : جمع الخزانة ، وهي اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء ، أي يحفظ » . انظر : التفسير الكبير ( مفاتيح الغيب ) للإمام الرازي : ج 19 ، ص 138 . ( 3 ) قال تعالى : . . . مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللهِ بَاقٍ . . . . النحل : . ( 4 ) انظر : تأويل القرآن : ص 47 . .