السيد كمال الحيدري
54
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
ذيل الآيات القرآنية لا يُصيّرنا مُفسّرين ، كما أنّ سَوق الروايات الفقهية لا يجعل منّا فقهاء . فعلى سبيل المثال لا الحصر أن كتاب وسائل الشيعة - وهو من أهمّ الكتب المعتمدة في عملية استنباط الحكم الشرعي - قد جمع وبوّب فيه مصنّفه مُعظم الروايات الفقهية بنحو عالٍ من الدقّة ، فحفظ الأسانيد ووحدة الموضوعات فيها ، ولكنّ ذلك كلّه لم يُصيّر من الحرّ العاملي فقيهاً ، وإنما صار فقيهاً لمكنته من استنباط الحكم الشرعي لا لجمعه روايات الفقه . وعلى أيّ حال ، فإنّ هذا المنهج التفسيري - على ما فيه من مسامحة في صدق العملية التفسيرية الاصطلاحية عليه - يُعاني من أزمة كبيرة تكمن في محدودية الروايات الواصلة إلينا ، التي لا تكفل لنا تفسير نصف القرآن ، بل ثُلثه بصورة ترتيبية ، هذا إذا غضضنا الطرف عن أسانيد الروايات التفسيرية التي عادةً ما نجدها مُبتلاة بضعف السند والإسرائيليات « 1 » ، ولعلّ قلّة الروايات هذه من جهة وضعف أسانيد الكثير منها من جهة أُخرى جعل العملية التفسيرية تسير ببطء شديد ، لاسيّما في مدرسة أهل البيت عليهم السلام ، ويقلّ بل يندر الاهتمام بعلم التفسير ، هذا فضلًا عمّا يستلزمه هذا العلم من مناخات اجتماعية خاطئة تدور في الأروقة العلمية ويصعب تجاوزها « 2 » .
--> ( 1 ) الإسرائيليات جمع إسرائيلية ، وهي قصّة أو أُسطورة تُروى عن مصدر إسرائيلي ، سواء أكان عن كتاب أو شخص تنتهي إليه سلسلة إسناد القصة ، وهذا الاصطلاح استعمله علماء التفسير والحديث ، ويُريدون به كلَّ ما تطرَّق إلى التفسير والحديث والتاريخ من أساطير قديمة ، انظر : التفسير والمفسّرون للأُستاذ محمد هادي معرفة : ج 2 ، ص 594 . ( 2 ) في ذلك إشارة إلى المناخات السلبية التي تحيط بالأروقة العلمية ، والتي تُجرّد الفقيه المفسّر من عنوان الفقاهة ، وهكذا الحال في الفقيه الفيلسوف والفقيه المتكلّم ، حتى آل الأمر إلى ندرة المفسّرين والفلاسفة والمتكلّمين ، ولا يُعلم تحديداً من أين أتت هذه النظرة السلبية البائسة التي تتحرّك باتّجاه إطفاء مشاعل الفلسفة والكلام والتفسير ، ففي التفسير مثلًا / / تكاد تُعدّ الدورات التفسيرية الكاملة على الأصابع ، وهكذا الحال في الفلسفة والكلام ، بخلاف الفقه وأُصوله فقد صنّفت فيهما ما يصعب عدّها فضلًا عن قراءتها والإلمام بها ، وهذا أمر يحتاج منّا تحقيقاً تأريخياً في سرّ اضمحلال العلوم الرئيسية ( كلام ، فلسفة ، تفسير ) وانتعاش العلوم الفرعية ( فقه ، أُصول الفقه ) ، وعندئذ سنعلم جيّداً لماذا عاش الفيلسوف الكبير والمفسّر البارز السيد الطباطبائي قدّس سرّه حياة الفاقة والعوز ولم ينل تلك الوجاهة الاجتماعية التي كان يستحقّها في حينه ، بخلاف آخرين لم يقرأوا دورة تفسيرية فضلًا عن كتابة مثلها ، ولكنهم نالوا ما لم ينله الأوائل ! .