السيد كمال الحيدري
395
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الرابع : العرفان النظري والعملي مفردة العرفان من " المعرفة " ، والمعرفة هنا لا يُراد بها العلم الاصطلاحي المركّب ، لأنَّ هذا العلم عادةً ما يكون مسبوقاً بالجهل ، وأما المعرفة فمسبوقة بالنسيان ، وقد مرَّ بنا قوله تعالى : أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ( مريم : 67 ) المُشير إلى هذا المعنى الذي سبق أن تعرّضنا له في دراسات تخصّصية أُخرى تتعلَّق بمعرفة الله تعالى « 1 » . والعرفان وإن كان الشائع منه البعد العملي ( السلوكي ) ، إلا أنَّ ذلك لا يعني انحصاره فيه ، بل لا يعني أولويّته على بعده الأوّل ، وهو العرفان النظري ، ولذلك فإنَّ الجانب النظري منه يمثّل حقيقة المعرفة الأُولى ، أو متن العرفان الحقيقي ، وإنَّ الجانب العملي منه يمثّل تطبيقات ذلك ، أو الحاشية التي من خلالها يتّضح أنَّ السالك قد وقف على النظري منه أم لا . ولعلّ هذا هو الذي يُفسِّر لنا ما يُسمّى في اصطلاحاتهم بالشطحات أو الشطحيات « 2 » ، فإنها - وفقاً لما تقدّم - تكشف عن قصور سابق يعود إلى أصل الجانب النظري منه ؛ وسوف نُحاول التعريف بالبعدين معاً ، ثم الإشارة إلى مدخلية ذلك في فهم النصّ القرآني .
--> ( 1 ) انظر : معرفة الله : ج 1 ، ص 169 ، الفصل الثاني . ( 2 ) الشطح : عبارة عن كلمة عليها رعونة ودعوى ، نادراً ما توجد من المحقّقين . انظر : رسائل ابن عربي : ص 408 . وفي ذلك يقول أيضاً : الشطح دعوى في النفوس بطبعها * لبقيّة فيها من آثار الهوى هذا إذا شَطَحتْ بقول صادقٍ * من غير أمرٍ عند أرباب النُّهى انظر : الفتوحات المكّيّة للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي ، ضبطه وصحّحه أحمد شمس الدين : ج 4 ، ص 24 ، الباب 195 . .