السيد كمال الحيدري

388

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

رجوع الجاهل إلى العالم ، والجاهل هو القارئ غير المُتخصِّص في المقام ، والعالم هو القارئ المُتخصّص ، وفي ضوء ذلك سارت معظم تفاصيل الحياة ، فالمريض يرجع للطبيب المتخصّص ، والمظلوم يطلب مُحامياً ضليعاً للدفاع عنه ، وهكذا الحال في جميع تفاصيل حياتنا ، فإذا كان الأمر كذلك فلِمَ انخرمت القاعدة العقلائية في مراجعة اللغوي المتخصّص ، ولِمَ يهتف بنا الفقهاء والمفسِّرون آناء الليل وأطراف النهار عندما تريد أن تذكر رأياً يُخالف الظاهر بأننا خالفنا الظاهر ، والظاهر حجّة ، نقول : من أين أخذوا هذا الظاهر ونحن بعيدون جدّاً عن زمان النصّ ، وإنَّ اللغة قد تشوَّهت ؟ أَوَ ليس رفضهم لمخالفة الظاهر يعنون به الظاهر اللغوي الصحيح ، وأنَّ هذا الظاهر اللغوي الصحيح قد أخذوه من المعاجم اللغوية ؟ وعلى أيِّ حال ، فإنَّ قول اللغوي إن أورث علماً فذلك حجّة بنفسه ، وإن أورث اطمئناناً فهو حجّة بنفسه أيضاً ، وأما إذا أورث ظنّاً نوعياً مُعتبراً لا ظنّاً شخصياً ، فإنَّ الراجح عندنا هو القبول به كقرينة على أقلّ التقادير ، فيما إذا لم يقم دليل معتبر مُخالف له . ومن زاوية أُخرى وبعبارة أُصولية : لو كان إخبار اللغوي عن حسّ وشهادة ، يكون داخلًا في الإخبار الحسّي ، وقد ثبت في محلّه حجّية خبر الثقة في الموضوعات ولا حاجة إلى التعدّد ؛ وإن كان إخباره حدسياً قائماً على النظر والاجتهاد ، فيكون حجّة على من لم يكن خبيراً في علم اللغة حتّى لو كان فقيهاً ، ولا يكون حجّة على قرينه في الخبرة اللغوية ، وعليه فدعوى الحجّية المشهورة عند القدماء ودعوى عدم الحجّية المشهورة عند المتأخّرين غير تامّتين على إطلاقهما ، بل لابدّ من التفصيل نفياً وإثباتاً « 1 » .

--> ( 1 ) انظر : الظن ( دراسة في حجّيته وأقسامه وأحكامه ) : ص 355 . .