السيد كمال الحيدري

383

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

وفي ضوء ما تقدَّم يكون قد اتّضح لنا أهمّية مصادرية موضوعة النسخ في فهم النصّ القرآني ، وأنه لابدَّ من الوقوف على ضوابطه وشروطه . الثاني : المكّي والمدني يعتبر علم المكّي والمدني من العلوم التي اقترنت بعلم تدوين القرآن الكريم ، وبالرغم من أنَّ اصطلاح المكّي والمدني ليس شرعاً قد حُدِّدَ لنا من قبل المعصوم عليه السلام ، وإنما هو مجرّد اصطلاح تواضع عليه علماء التفسير « 1 » ، فإنَّ المكّي والمدني قد صار مورداً لإثارة الشبهات من قبل بعض المُستشرقين حول القرآن الكريم ، نظراً لاختلاف الخطابين المكّي والمدني ، فاستفادوا من ذلك أنَّ القرآن خاضع للتأثيرات البشرية ، وقد غفلوا أنَّ البيئتين مختلفتان تماماً في الظروف والملابسات ، وفي الأهداف والغايات التي كان يتعاطى في ضوئها القرآن الكريم . فإنَّ الخطاب القرآني يسير باتّجاه الأهداف الإلهية الرامية إلى تصحيح مسيرة الإنسان ، فإذا اقتضت تلك الأهداف والغايات تغيّراً ما في لغة الخطاب ، فلابدَّ من ذلك لحفظ الهدف العامّ « 2 » ، وقد كان من طريقة القرآن التعاطي مع الواقع الإنساني ومقتضيات الظرف ، ولكن دون أن تتحكّم بأهداف القرآن وغاياته ، التي كانت وراء صياغة النصّ ومضمونه ، وهذا الأمر ليس له صلة بالنتاج البشري ، بدليل أنَّ المستوى الفنّي في الخطابين متقارب ، بل هما واحد ، مع أنَّ التجربة البشرية للفرد على مساحة ربع قرن تكشف لنا عن بون شاسع بين السابق منه واللاحق ، وهذا واضح . وعلى أيّ حال ، فرغم ما تقدَّم من عدم التسمية الشرعية لاصطلاح المكّي

--> ( 1 ) انظر : المدرسة القرآنية ، للشهيد الصدر قدس سره : ص 250 ، القسم الثاني . ( 2 ) المصدر نفسه : ص 255 . .