السيد كمال الحيدري
367
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
العقلائية ، فكان كلامه تامّاً تماماً ، وكأنه قال : لا صلاة كاملة الأجر إلا في المسجد ، وبذلك تكون الدلالة السياقية الاقتضائية هي فنّ من فنون الإيجاز اللغوي غير المُخلّ بالمعنى ، ولكنَّ هذا الاقتضاء تارة يكون بيِّناً وأُخرى يكون مُبيَّناً ، وقد تعاطى القرآن الكريم مع هذه الدلالة الاقتضائية ، البيِّنة والمُبيَّنة ، في موارد عدّة ، منها قوله تعالى : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ ( يوسف : 82 ) ، وقوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ . . . ( النساء : 23 ) ، وقوله تعالى : وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ( النحل : 93 ) . أما الأُولى فبيِّنة بأنَّ المسؤول هم أهل القرية لا القرية نفسها ، وأما الثانية فبيِّنة أيضاً ، فإنَّ المراد هو حرمة الزواج بهنَّ ، وأما الثالثة فإنها مُبيَّنة ، وذلك بحسب الأدلّة العقلية التي تُثبت عدله تعالى ، وبأنه لا يظلم أحداً أبداً يكون المراد هو : يُضِلُّ مَن يَشَاءُ ( أَنْ يضِلَّ ) وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ( أَنْ يَهْتَدِي ) ، ولذلك قال في ذيل الآية : وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ، إذ لا معنى لسؤالهم معاً إذا كان الهادي والمُضلّ لهم هو الله تعالى . فدلالة الاقتضاء البيّنة والمُبيَّنة تُرشدنا إلى محذوف لا يستقيم الكلام بدونه ، أما سبب اللجوء إلى هذه الدلالة السياقية فربما يكون ذلك من مقتضيات اللغة ، كما هو الحال في القسم البيِّن منها ، وقد يكون ذلك من باب دعوة الناس إلى التفكّر والتأمّل في كلمات الله تعالى ، كما هو الحال في المُبيَّنة . إذن : فدلالة الاقتضاء أمر مقصود للمتكلِّم ، وهذا القصد يكفي فيه الفهم العرفي أو التدليل العقلي القريب من الفهم العرفي ، دون التدليل الذي يعسر على العرف تلقّيه وفهمه ، كما ويُشترط فيها توقّف صدق الكلام وتماميته عليها ، وقد اتّضح ذلك من خلال حمل المُتلقّي كلام المُلقي على ما يقتضيه المعنى الذي لا يتمّ عنده بدون درج المحذوف .