السيد كمال الحيدري
356
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وقد حاول أُستاذنا الشهيد الصدر قدّس سرّه أن يُبيِّن لنا هذه المفردة ومُلابساتها ، وجدنا من المناسب ذكر الأهمّ ممَّا جاء في بيانه ، لنقف مع القارئ بعد ذلك على ما نلتزم به في المقام . يقول قدّس سرّه : ( ونريد ب " السياق " كلّ ما يكشف اللفظ الذي نريد فهمه من دوالّ أخرى ، سواء كانت لفظية كالكلمات التي تشكِّل مع اللفظ الذي نريد فهمه كلاماً متّحداً مترابطاً ، أو حالية كالظروف والملابسات التي تحيط بالكلام وتكون ذات دلالة في الموضوع ) « 1 » . وهو تعريف أجود ممّا تقدّم ، حيث يُبيِّن لنا أنَّ وظيفة الدلالة السياقية هي الكشف عن معانٍ أُخرى ودوالّ لا يحكيها اللفظ أو المركّب بمعزل عن تلك القرينة . ثمّ يمثّل لذلك بكلمة : ( البحر ) ، فيقول : ( لها معنى حقيقي قريب ، وهو : " البحر من الماء " ، ومعنى مجازي بعيد ، وهو : " البحر من العلم " ، فإذا قال الآمر : " إذهب إلى البحر في كلّ يوم " ، وأردنا أن نعرف ماذا أراد المتكلّم بكلمة : " البحر " ، من هذين المعنيين ؟ فإنه يجب علينا أن ندرس السياق الذي جاءت فيه كلمة البحر ، فإن لم نجد في سائر الكلمات التي وردت في السياق ما يدلّ على خلاف المعنى الظاهر من كلمة البحر كان لزاماً علينا أن نفسِّر كلمة البحر على أساس المعنى اللغوي الأقرب ، تطبيقاً للقاعدة العامّة القائلة بحجّية الظهور ، وقد نجد في سائر أجزاء الكلام ما لا يتّفق مع ظهور كلمة البحر ، ومثاله أن يقول الآمر : " اذهب إلى البحر في كلّ يوم واستمع إلى حديثه باهتمام " ، فإنَّ الاستماع إلى حديث البحر لا يتفق مع المعنى اللغوي الأقرب إلى كلمة البحر وإنّما يناسب العالِم الذي يشابه البحر لغزارة علمه ، وفي هذه الحالة نجد أنفسنا تتساءل : ماذا أراد المتكلّم بكلمة : " البحر " ، هل أراد بها البحر من
--> ( 1 ) دروس في علم الأصول : ج 1 ، ص 90 . .