السيد كمال الحيدري

345

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

( الذي يُحصِّله الفقيه أو المفسِّر ) فهو حجّة بنفسه ، ولكن تحصيله عسير جدّاً ، ولذلك يُقال عادة بأنَّ المدركي ليس بحجّة والمُحصِّل غير مُحصَّل ، فيسقط الإجماع عن الاعتبار ، لأنَّ وجوده أمر افتراضي ، ولكن الصحيح هو أنَّ المُحصِّل يُمكن تحصيله ، فالضابط الحقيقي فيه ليس تقصّي جميع الأقوال المتوافقة للإثبات ، أو المختلفة للنفي ، وإنما ضابطه تحصيل القطع أو الاطمئنان ، وهذا أمر نسبي كما هو واضح ، فإن كان ضمن الداخلين في الإجماع عِليّة القوم سوف ترتفع نسبة الصدق ومطابقة الواقع وإن كان عدد المُجمعين قليلًا ، فالمرجع في ذلك هو مجموع القيم الاحتمالية وما تُشكِّله من نسبة في الصدق . إذن تحصيل الإجماع الحجّة ليس أمراً مُمكناً فحسب ، وإنما هو واقع ، وبالتالي فإنَّ الوجوه التفسيرية المخالفة لإجماع كهذا ، تكون غير مُعتبرة ، كما الوجوه الاحتمالية التي يُمكن ترجيح بعضها على الآخر بواسطة الإجماع لأنَّه قرينة قطعية أو اطمئنانية على الصحّة . ومن أمثلة قرينية الإجماع صرف كلمة الاستمتاع في قوله تعالى : . . . فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً . . . ( النساء : 24 ) ، من معناها اللغوي الظاهر في التلذّذ إلى الظهور في العقد المنقطع ( زواج المُتعة ) ، وقد سيقت قرينية الإجماع على هذا الظهور الآخر ، وهو إجماع المُسلمين لا مذهب بعينه ، فمن خالف في ذلك يكون قد خالف إجماع الأُمة على إرادة النكاح المنقطع لا مجرّد الاستمتاع اللغوي ، ولا العقد الدائم ، وقد استعرض صاحب الجواهر أدلّة إرادة نكاح المتعة من الآية ، وأثبت كونها منصرفة عن معناها اللغوي ، وعن أيّ معنى آخر غير العقد المنقطع ، وقد كان من جملة أدلّته إجماع الأُمة على ذلك ، حيث يقول : ( وإلى الإجماع ، أما من الطائفة المحقّة فهو واضح ، بل هو من ضروريات مذهبهم ، وأما من غيرهم فلاتّفاق الصحابة