السيد كمال الحيدري
341
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
لأنها بحسب الفرض مُحصَّلة ، وهذا هو معنى بديهيّتها ، ومن الواضح بأنَّ دليلية البدهيات أقوى وأشدُّ من دليلية البرهانيات ، وذلك لعدم وقوع الاختلاف في الأُولى دون الثانية ، ومن لا يرتضي دليلية البديهيات يكون واقعاً تحت طائلة شبهة معيّنة ، وهو ما يُقال عنه في المنطق : ( شبهة مقابل بديهة ) « 1 » . ومن جملة القرائن البديهية التي لا بدَّ أن تُؤخذ بعين الاعتبار في تفسير الآيات التي تعرَّضت إلى عرض القدرة الإلهية والحضور الدائم لله تعالى : استحالة الجسمية عليه ، وما يتبعها من أعضاء حسيَّة ، وهذا الاستحضار لا يحتاج إلى جهدٍ ، فإذا ما مرَّ بنا قوله تعالى : وَجَاء رَبُّكَ وَالمَلَكُ صَفّاً صَفّاً ( الفجر : 22 ) ، وقوله تعالى : . . . يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ . . . ( الفتح : 10 ) ، لا بدَّ لنا من البحث في المجال الآخر من ظواهر اللفظ حتى مع غياب القرائن الأُخرى ، اللفظية وغير اللفظية . ومنها يتّضح لنا ما عليه القائلون بالجسمية والأعضاء الحسّية لله تعالى من سقف معرفي ، بعد إنكارهم لبديهيات تقرّها الفطرة السليمة والذوق السليم ، ولعلَّ هذا الإنكار منشؤه عدم مكنتهم من فهم الوجود المُجرَّد ، وهذه مسألة أُخرى تتعلّق بالاستعداد والنضج المعرفي الذي عليه المُتصدِّي للعملية التفسيرية ، ولعلّك من هنا تفهم معنى الردع الشديد الصادر عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام تجاه البعض ممَّن ينطلق من أرضية مادّية جعلته مأسوراً للقياس الفقهي المحظور ، الذي يُتابع الجزئيات فيحمل حكم بعضها على الآخر ؛ لوجود مُشابهة ، يُفصح لك عن غياب معنى التجرّد عنده ، وهكذا
--> ( 1 ) يقول المظفر : ( فإنَّ الشيء قد يكون بديهياً ولكن يجهله الإنسان ، لفقد سبب توجّه النفس ، فلا يجب أن يكون الإنسان عالماً بجميع البديهيات ، ولا يضرّ ذلك ببداهة البديهي . . . ولكن مستقيم التفكير إذا حدث له ذلك وعجز عن كشف المغالطة يردُّها ويقول إنها : شبهة في مقابل البديهة ) . انظر : المنطق ، للشيخ محمد رضا المظفر : ج 1 ، ص 18 - 19 . .