السيد كمال الحيدري

338

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

عَلِيماً حَكِيماً ( الأحزاب : 1 ) ، فهل يُتوقَّع منه صلى الله عليه وآله غير التقوى ومخالفة الكافرين والمنافقين ؟ إنَّ من السذاجة بمكان تصوُّر أن يكون هذا الخطاب مُوجَّهاً فعلًا وحقيقةً إلى الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، فذلك قدح ليس في الرسول وحسب ، وإنما في المتكلِّم أيضاً ، لأنه يكون قد تكلَّم بشيء دون أن يُراعي خصوصيات المخاطب الموصوف بالعصمة والقدوة والأُسوة وغير ذلك من كمالاته الثابتة ، ولعلَّ ذيل الآية يُساعدنا على ذلك ، وهو قوله تعالى : ( إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) ، أي : إنَّ الله تعالى عليم بأنَّك لا تفعل ذلك ، ولذلك فمن مقتضى حكمته أن جعلك نبيّاً ، ومن مقتضى حكمته أيضاً أن وجَّه لك الخطاب ابتداءً ليعلم الآخرون شدَّته عليهم ، ولذلك ينبغي حمل الخطاب على الآخرين ، وإنما وجِّه الخطاب ابتداءً وبشكل مُباشر للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله للمبالغة في التهديد . وهكذا الحال في قوله تعالى : ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً ( الإسراء : 39 ) ، علماً بأنَّ ما ورد في الأثر المرويّ عن الإمام الصادق عليه السلام يُوضّح لنا المراد من هكذا خطابات ، وهو قوله عليه السلام : ( إنَّ الله بعث نبيّه صلى الله عليه وآله بإيّاك أعني واسمعي يا جارة ) « 1 » ، وقوله عليه السلام : ( ما عاتب الله نبيّه فهو يعني به من قد مضى في القرآن مثل قوله : وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ، عنى بذلك غيره ) « 2 » . كما أنَّ من ملامح شخصية المخاطب ملاحظة حقيقة وجوده ، أوجود مجرّد هو فتكون الأوامر الصادرة إليه بما يُناسب وجوده ، من قبيل : وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ

--> ( 1 ) تفسير القمي : ج 1 ، ص 16 . ( 2 ) تفسير العياشي : ج 1 ، ص 10 ، ح 5 . والآية : الإسراء : 74 . .