السيد كمال الحيدري

331

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

ذكراً وأنثى قالوا : وصلت أخاها فلم يذبحوه لآلهتهم ، والحام هو الفحل من الإبل الذي قد حمى ظهره من أن يركب بتتابع أولاد تكون من صلبه ، وكانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن قالوا : حمى ظهره فلا يحمل عليه شيء ولا يمنع من ماء ولا مرعى « 1 » . ومن الواضح أنّ مثل هذه الموارد لا يُمكن فهمها بدقّة دون توسُّط بيئة النزول ، فتلك الظروف والتقاليد والأعراف كانت سبباً حقيقياً في نزول هذا النصّ القرآني ، وما لم يلمّ القارئ المتخصّص بالظروف الموضوعية التي نعني بها ثقافة عصر النزول وحيثياته ، يتعسّر عليه تسجيل المعاني الأوّلية للنصّ ، ونعني بالمعاني الأوّلية التطبيقات الأُولى للنصّ . وللشاهد الأوّل أمثلة كثيرة يتعسَّر علينا دركها بدون فهم ثقافة النزول ، من قبيل قوله تعالى : إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِئُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ . . . ( التوبة : 37 ) ، فما هو النسيء ؟ ولِمَ هو زيادة في الكفر ؟ وهكذا في قوله تعالى : وَإِذَا المَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ ( التكوير : 8 ) ، فما هي الموؤودة ؟ ولِمَ قُتلت ؟ وأما الشاهد الثاني فقد عاشه المسلمون بعد فتح مكّة ، وهو قوله تعالى : إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ( البقرة : 158 ) ، فإنَّ الآية الكريمة لا تُثبت وجوب السعي بين الصفا والمروة ، فقوله تعالى : ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ) لا يدلّ على أكثر من الجواز ، مع أنَّ إجماع المسلمين قائم على وجوب السعي ، فكيف تُوجَّه الآية الكريمة ؟ وهنا يتّضح لنا دور بيئة النزول المتمثّلة بسبب النزول ، حيث كان على

--> ( 1 ) انظر : التبيان في تفسير القرآن : ج 4 ، ص 38 . .