السيد كمال الحيدري
318
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الأخذ بالمعنى الجديد ، ولكن هنالك فرق مهمّ بين الأخذ واعتماد المعنى المُستحدث وبين تجاوز المعنى الأصلي ، فذلك قد يُوقع المُفسِّر المتلقّي في لبس ، وكشاهد على ذلك في قوله تعالى : أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتاً ( المرسلات : 25 ) ، حيث فسَّرها البعض بالحركة السريعة المُشيرة إلى حركة الأرض ودورانها « 1 » ، وهو قول لم يبتدعه صاحبه ، وإنما استفاده من الخليل حيث يقول : ( الكفات من العدو والطيران ) « 2 » ، فظنَّ أنَّ كفات الأرض كذلك ، وقد فاته أنَّ الخليل قد أردف ذلك بقوله : ( وكفات الأرض : ظهرها للأحياء وبطنها للأموات ) « 3 » ، ومع ذلك فبمراجعة يسيرة لكتب اللغة والحديث والتفسير يتبيَّن لنا بأنَّ المراد هو كونها وعاءً لضمّ الأحياء والأموات ، أما الأحياء فلكونها مساكن لهم ، وأما الأموات فلكونها مقابر لهم ، قال الطريحي في تفسير معنى كفات : ( أي أوعية ، واحدها كفت ، ويقال كفاتاً مضماً تكفت أهلها ، أي : تضمّهم أحياء على ظهرها وأمواتاً في بطنهاً ، يُقال : كفت الشيء في الوعاء : إذا ضمّه فيه ) « 4 » ، وقد روي في ذلك ( أنَّ أمير المؤمنين عليّاً عليه السلام قد نظر عند رجوعه من صفّين إلى المقابر فقال : هذه كفات الأموات ، أي : مساكنهم ، ثمَّ نظر إلى بيوت الكوفة فقال : هذه كفات الأحياء ، ثم تلا قوله : ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياءً وأمواتاً . . . ) « 5 » . وفي التبيان : ( والكفات الضمام ، فقد جعل الله الأرض للعباد تكفتهم ، " أحياءً وأمواتاً " ، أي : تضمّهم في الحالين ، كفت الشيء يكفته كفتاً وكفاتاً إذا
--> ( 1 ) انظر : كتاب روش برداشت از قرآن ( أُسلوب فَهم القرآن ) ، محمد حسين بهشتي : ص 9 . ( 2 ) كتاب العين : ج 5 ، ص 340 . ( 3 ) المصدر السابق : ج 5 ، ص 340 . ( 4 ) مجمع البحرين : ج 4 ، ص 51 . ( 5 ) تفسير القمي : ج 2 ، ص 400 . .