السيد كمال الحيدري
280
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
لأن ذلك يقتضي نوع مجانسة ومشاكلة ، وهو مقدّس عن مجانسة ما سواه ، فلهذا السبب كلّ كلام اشتمل على نعوت جلاله وصفات كبريائه ، كان ذلك الكلام في نهاية الجلال والشرف ، ولما كانت هذه الآية كذلك ، لا جرم كانت هذه الآية بالغة في الشرف إلى أقصى الغايات وأبلغ النهايات ) « 1 » . إنها محاولة جيّدة وتستحقّ الثناء أيضاً ، ولكنها موجزة وشبه صورية ، ولعلّها لا تدفع وجه الشركة بينها وبين آيات أُخرى تعرّضت لذلك أيضاً ، فيعود السؤال من رأس عن سرّ التفاضل الثابت لها . فالصحيح هو أن يُقال بأن هذه الآية الكريمة عبّرت عن التوحيد الربوبي في أرقى صوره ومراتبه ، مما جعلها محلّ نيل هذا التشريف العظيم بالسيادة تارة وبالأشرفية والتقدّم تارة أُخرى . نعم ، صحيح أن القرآن الكريم قد تفرّد عن سائر الكتب الأُخرى - المنسوبة للسماء وغيرها من الكتب الوضعية - بأنه بعمومه يدور حول محور التوحيد ومراتبه ، إلا أن هذا اللون من العرض والكثافة في تجلية المعاني التوحيدية قد أعطاها ذلك الامتياز الفريد . بعبارة أُخرى : إنها على إيجازها قد أوجزت وأجملت أهمّ أركان وملاكات التوحيد ، وبطريقة من التصوير الفنّي البديع الذي لم يُلحظ في آيات أخرى قطّ ، فإذا ما تصوّرنا المراتب الطولية للمعارف التوحيدية فإن آية الكرسي هي صاحبة القدح المُعلّى في ذلك . وهذا الترجيح والأولوية والأشرفية والسيادة وإن كانت تبدو في الصورة مجرّد تعابير مختلفة إلا أنها تُشير بكلّيتها إلى حقيقة واحدة قد غفل عنها الكثيرون ، وهي مرجعية آية الكرسي للمعارف التوحيدية ، وهذه المرجعية المعرفية لها صلة وثيقة بحاكمية بعض النصوص على الأُخرى ، كما هو الحال
--> ( 1 ) تفسير الرازي ( مفاتيح الغيب ) : ج 7 ، ص 4 . .