السيد كمال الحيدري

273

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

والمحصّل من مجموع ذلك كلّه هو أننا يجدر بنا التدبّر في هذه الآية الكريمة بما ينسجم مع معطياتها النظرية والعملية ، فإن المراد الجدِّي للشارع المستفاد من تلك النصوص هو الأخذ بمعطياتها الثنائية ، وهذا الأخذ الثنائي يمثّل الترجمة الفعلية لقانون العلاقة المتبادلة بين العلم والعمل على الصعيدين الفردي الخاصّ والاجتماعي العامّ ، فالمسلم الحقّ يؤثّر في أُمّة ، والمتأثّر بمعطيات آية الكرسي والمُجسّد لحركتها الثنائية سيكون قوله وفعله ومجموع سلوكه مؤثّراً في مُحيطه ومجتمعه ، وهذا هو معنى انتشار البركات في خلقه سبحانه ، وعندئذ يتحقّق الهدف الأكبر الذي يتنافى مع بعض الثقافات الحديثية المنتشرة والمتمركزة في ذاكرة الكثيرين ، ونعني بذلك ثقافة الحفظ المجرّد ، والتي تُفسّر في ضوئها جملة من الروايات من قبيل قوله صلى الله عليه وآله : ( إنَّ لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحداً ، من أحصاها دخل الجنّة ) « 1 » ، وهكذا في قول أمير المؤمنين علي عليه السلام : ( إقرأ وارقَ ) « 2 » . فإن من السذاجة بمكان أن يكون مجرّد القراءة أو الحفظ مُوجباً لدخول الجنّة ونيل المراتب العليا ، فإن الصحيح هو مقدار ما تحقّق به القارئ وتدبّر ، ولا ينبغي الإغفال عن كون التدبّر القرآني لا يقتصر على التفكير والتفكّر ، وإنما يشمل العمل بذلك ، ولذلك فمن لم يتحقّق بآية قرآنية سوف يجد نفسه مُبعداً وناسياً للآية التي طالما قرأها ، بل إنه سوف يجد نفسه في ذلك المقام وكأنه يسمعها لأوّل مرة ، فإن السمع الفعلي هو ما يسمعه القلب لا الأُذن ، وهذا لا يمنع وجود الفضل والأجر لمن قرأ القرآن وحفظه ، ولكنه غير مقصود

--> ( 1 ) انظر : توحيد الصدوق : ص 194 ، ح 8 . وأيضاً : صحيح البخاري : ج 3 ، ص 185 . ( 2 ) نصّ الحديث : ( واعلم أنَّ درجات الجنة على عدد آيات القرآن فإذا كان يوم القيامة يقال لقارئ القرآن : اقرأ وارق ، فلا يكون في الجنّة بعد النبيّين والصدّيقين أرفع درجة منه ) . انظر : من لا يحضره الفقيه : ج 2 ، ص 628 . .