السيد كمال الحيدري

265

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

المادّية ، فالوظيفة عظيمة جدّاً ، ولا ينتهي تدبّرك عند جلي القلب من الأمراض المعنوية ، فللرحمة مراتب أيضاً ، والوظيفة أعظم من ذلك بكثير ، واعلم بأنَّ للآية مطالب ومداخل يقصر المقام عن تفصيلها ، تسكن إليها القلوب ، وتفيض عندها الدموع ، ويصبح القلب الصاغي مجلىً ومنجىً لكلّ ذي عينين ؛ ولكننا عملًا بمقولتين للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله ، الأُولى : ( لا يسقط الميسور بالمعسور ) ، والثانية : ( إذا أُمرتم بأمر فأتوا منه بما استطعتم ) « 1 » ، سنُجمل الحديث ، فنقول : إنَّ الشفاء الحقيقي هو الذي يتعلّق بالأمراض الحقيقية المُستعصية ، وهي ذات مرتبتين ، الأولى : هي الدنيا « 2 » ، وتتمثّل بالأمراض المادّية العضوية ، والثانية : هي الوسطى ، وتتمثّل بالأمراض المعنوية ؛ وهكذا الرحمة الحقيقية فهي ذات مرتبتين ، الأولى : هي العليا ، وتتمثّل بمعرفة الله تعالى ، والثانية : هي الأعلى ، وتتمثّل بلقاء الله تعالى ورؤيته . وعندئذ إذا تمّت هذه المراتب الأربع ( الدنيا والوسطى والعليا والأعلى ) فسينقطع كلُّ سؤال ، وتصير الجملة الناقصة تامّة ، واللغة لغة من لا ينتظر ، هذا ثم هذا ، فلا تقصر النظر والتدبّر ، ولا تكفّ الخطى لذلك . ولا ينبغي الإغفال عن ملاك الظلم الحقيقي المُوجب للخسار وزيادته ، فهو الشرك ولا ريب ؛ قال تعالى : وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ( لقمان : 13 ) ؛ وأما النصَّان الآخران ، المُثبت والشاهد على عصمة القرآن نفسه ، فهما قوله تعالى : لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( فصّلت : 42 ) ، وقوله تعالى : أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً ( النساء : 82 ) .

--> ( 1 ) عوالي اللآلي : ج 4 ، ص 58 ، ح 205 ، 206 . ( 2 ) من الدنوّ لا الحياة الدنيا . .