السيد كمال الحيدري
258
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
منها : التقرير ، بنكتة أنَّ الكلام إذا تكرّر تقرّر وتأكّد ، ولعلّ مراده من التقرير هو التتميم والترسيخ ، فالهدف القرآني لا ينتهي عند البلاغ وإنما لابدّ من الاطمئنان على وصول الفكرة وتحقّق الهدف ، وهذا المعنى قد يُلازمه التكرار ، إن كان مراده ذلك فهو وجه وجيه ، ولكنه ليس العلة التامّة فيه . ومنها : التأكيد ، وزيادة التنبيه ، كتكرار النداء في قوله تعالى : وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ ( غافر : 38 - 39 ) . ومنها : أنَّ إعادة المطلع عند إطالة الكلام أمر تقتضيه الفصاحة والبلاغة ، من قبيل أهمّية تكرار جملة : لَمَّا جَاءهُمْ في قوله تعالى : وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ الله عَلَى الْكَافِرِينَ ( البقرة : 89 ) . ومنها : التعظيم والتهويل ، كما هو المشهور في : الحَاقَّةُ * مَا الحَاقَّةُ ، الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ ، ولهذا النوع شواهد أُخرى كثيرة « 1 » . أقول : إنّ من مُميزات اللغة العربية الميل إلى الاختصار والإيجاز ، فإذا توقّف الإفهام على الإطناب أو التكرار لزم ذلك ، وإلا لزم نقض الغرض ، وهو ممنوع بحقّ العاقل الرشيد فضلًا عن الحقّ سبحانه صاحب القول السديد . فهل التكرار القرآني واقع لأجل ذلك ؟ وهنا ينبغي التنبيه إلى أنّ النصّ القرآني لم تُؤخذ فيه الجنبة التشريعية أو الدينية فحسب ، وإنما لُوحظت فيه جوانب أُخرى ، من جملتها - إن لم تكن أهمّها - جانب الإعجاز الأدبي والبلاغي ، الذي جاء لِيُعجز بيئة النزول التي طغى عليها الحسّ الأدبي والبلاغي .
--> ( 1 ) انظر : الإتقان في علوم القرآن : ج 3 ، ص 281 - 282 . .