السيد كمال الحيدري

252

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

أن نُلفت النظر إلى واقع حالٍ لم يجرؤ كثيرون على بيانه ، أو بيان خلفيات حصول هذا الواقع رغم المحاولات الكثيرة والجادّة التي اضطلع بها أعلام الفريقين معاً . إنّ عدم التوحيد بين معطيات التفسير المُفرداتي والجُملي والموضوعي والتأويلي يعني الخروج عن حريم النصّ ، ولذلك نجد أن الجدلية القائمة بين هذه الحلقات الأربع ضرورة حتمية في رسم ملامح العملية التفسيرية ، بل إن المنهجية التحقيقية التي تُخرج المُفسّر عن قارعة التفسير بالرأي تكمن في مُراعاة هذه الجدلية ، ودونها لا مُحالة من التعرّض إلى مهالك التفسير بالرأي . فإذا ما انطلق المُفسّر إلى فضاء الجملة القرآنية وهو لم يسبر غور المفردة بعد فإنه سوف يعيش إرباكات حقيقية وترتسم في ذهنه صور مُشوّهة يظنّ أنها هي الحقّ ، ولكنها مجرّد تداعيات أو هي : كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ( النور : 39 ) ؛ إنها نتيجة مؤلمة نحتاج أن نقف أمامها بشجاعة وصلابة ، نُفتّش في أسبابها ونُحقّق في سُبل حلِّها ، ولا ريب بأنها مُهمّة صعبة ، بل وعسيرة أيضاً ، ولكنه أمر لا بدَّ منه . والواقع المعرفي المرير هو أننا لم نعرف بعد أنَّ البناء الدلالي للمُفردة هو أعمق بكثير من الظاهر اللغوي لها ، فهو أشبه ما يكون بالمفاد الاصطلاحي لأيّ مفهوم ، إنها نتيجة خطيرة وعظيمة أن يكون التعاطي مع المُفردة القرآنية في ضوء الاصطلاح لا في ضوء المفاد اللغوي فحسب ، نتيجة تجعلنا نتعاطى مع العملية التفسيرية بأبجدية جديدة ترسم لنا واقعاً جديداً وآفاقاً رحبة نباتها غضّ وقُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ( الحاقّة : 23 ) ، تلك الجذور والظروف الموضوعية التي نبتت فيها المفردات القرآنية تمثّل لنا أرضيّة الحركة باتّجاه الأصل . وقراءة الواقع الذي نحن عليه الآن يمثّل لنا حدود وجدوائية الاستعمال ومساحات الحركة باتّجاه المعاني الأُخرى التي لا تتقاطع مع الجذر البتّة ولا تخرج عن طولية القدر