السيد كمال الحيدري

228

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

إنَّ هذه الروايات وغيرها تؤكّد لنا حقيقة قرآنية قد أسّستها المضامين القرآنية العالية وهي أنّ القرآن بسوره وآياته وكلماته غير مقيّد بزمن دون آخر ، فدائرة الانطباق غير مغلقة على مصداق معيّن ، وإن كان من الممكن أن يكون المصداق الأوّل هو البارز إمّا لحكمة قرآنية أو نتيجة الاستئناس به فيحصل بذلك نوع من التبادر الذي لا يفي بإغلاق دائرة الانطباق على موارد ومصاديق أخرى ، فالمضامين القرآنية غير محدودة الآفاق ، جارية في الخلق مجرى الليل والنهار ، أي ما دامت السماوات والأرض . وقد تقدَّم أنّ لكلّ آية بُعداً آفاقياً وآخر أنفسياً في كلّ عصر وزمان ، ومن هنا تتّضح لنا مقاصد أخرى من قول الرسول صلى الله عليه وآله في وصف القرآن الكريم : ( فيه نبأ ما كان قبلكم وخبر ما بعدكم . . . ) « 1 » ، وقول الإمام الصادق عليه السلام : ( كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وفصل ما بينكم ، ونحن نعلمه ) « 2 » . إنّ الحقيقة القرآنية التي تؤسّسها المضامين القرآنية العالية والتي تؤكّدها السّنّة الشريفة وهي كما أشرنا ، استمرار دائرة الانطباق في كلّ عصر وزمان ، هي بمعنى أنّ المصاديق البارزة للنصّ القرآني لا تغلق دائرة الانطباق ، وأن المصاديق اللاحقة لا تدخل من باب المجاز ، وإنما هي مصاديق حقيقية فعليّة . ويمكن تقريب ذلك بمثال حسّي وهو : أنّ مفهوم الأبيض ينطبق على كلّ شيء اتَّصف بالبياض أو الأبيضية وإن اختلفت درجات الأبيضية ، وهذا واضح ، والأوضح منه هو أنّ انطباق الأبيضيّة على ( القطن ) في زمن الرسول صلى الله عليه وآله هو عين الانطباق في عصورنا هذه على ( القطن ) عندنا ؛ وبهذا المعنى نقرّب صورة الانطباق المستمرّ وعدم انغلاق الدائرة المصداقية

--> ( 1 ) سنن الدارمي : ج 2 ، ص 435 . أيضاً : مستدرك الوسائل : ج 4 ، ص 239 . ( 2 ) الأُصول من الكافي : ج 1 ، ص 6 . .