السيد كمال الحيدري

187

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

جدير بالذكر أن النصية - كعلم - هي معطى معرفي للحضارة الغربية ، والمظنون هو أن الافتقار الحادّ الذي تعانيه هذه الحضارة في مجال النصّية قد دعاهم إلى ابتكار صياغات جديدة للنصّ ليدخل المُعطى البشري في دائرة النزاع « 1 » ، بل ويكون مُنافساً حقيقياً للنصوص التي يُدّعى انتماؤها إلى السماء ، من قبيل ما هو مُعتمد لدى الحكومات العلمانية من الدساتير الدولية والقانونية والقضائية ، بل والأدبية والتربوية ، وما شابه ذلك ، حتى بلغ الأمر بالبعض إلى إطلاق مفهوم النصّ على كلّ خطاب تمّ تثبيته بواسطة الكتابة « 2 » . والذي نراه هو أن المشكلة أعقد من ذلك بكثير ، ربما تحين الفرصة لعرضها وبيان مُلابساتها . ولكي نُبيّن ما انتهينا إليه في تحديد هويّة مفردة النصّ ينبغي التمهيد لذلك بعرض المعاني المتداولة والمحتملة لمفردة النصّ . النصّ لغة ذكر الطريحي أن الأصمعي قال : ( النصّ : السير الشديد ، حتى يستخرج أقصى ما عندها . ومنه حديث أمّ سلمة لعائشة : لو أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله عارضك ببعض الفلوات ناصَّة قلوصاً من منهل إلى منهل . أي رافعة لها في السير الشديد . وأصل النصّ أقصى الشيء وغايته ، ثمَّ سمّي به ضرب من السير السريع ، ونصصت الحديث إلى فلان : رفعته إليه ) « 3 » . ومنه قيل : ( نصصت الرجل إذا استقصيت مسألته عن الشيء حتى تستخرج كلّ ما عنده ، وكذلك النصّ في السير إنما هو أقصى ما تقدر عليه الدابّة ) « 4 » ،

--> ( 1 ) وهو ما يُمكن أن نصطلح عليه بأنسنة النصّ بعد أن عُرف بطابعه الإلهي . ( 2 ) انظر : النصّ والتأويل ، بول ريكور ، ( بحث منشور في مجلّة العرب والفكر العالمي ) : ص 37 ، ترجمة منصف عبد الحقّ ، العدد الرابع ، 1988 م ، بيروت . ( 3 ) مجمع البحرين ، للطريحي : ج 4 ، ص 321 . ( 4 ) انظر : لسان العرب ، لابن منظور الأفريقي : ج 7 ، ص 98 . .