السيد كمال الحيدري
176
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
قال تعالى : أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ ( الرعد : 17 ) ، فالعلم والعمل على إطلاقهما قد يكونان بلحاظ صاحبهما زبداً ، فعلم الأنساب - على سبيل المثال لا الحصر - قد يكون جيّداً للبعض ، ولكنه زبد لغيرهم ، والتعمّق بتفاصيل علم النحو وآرائه المختلفة قد يكون جيّداً للبعض ولكنه زبد لغيره ، وهكذا ، فما يمكث في الأرض قد يكون هو الصحيح في قبال الخطأ وقد يكون هو الأصحّ في قبال الصحيح . وقال تعالى : ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْداً مَّمْلُوكاً لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الحَمْدُ لِلهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ( النحل : 75 ) ، وهنا قد يظنّ البعض بأنَّ فضيلة العبد الآخر تكمن في إنفاقه ، وهذا صحيح إلى حدّ ما ، ولكن الصحيح هو أن العبد الآخر قد حاز أمراً جليلًا وقام بفعل عظيم ، أما الأمر فهو الرزق الحسن ، والحسن هنا يعني الرزق الكافي غير المشوب بالذلّ ، وفيه كناية إلى أن رزق العبد الأوّل فيه نقص مادّي ونقص معنوي ، أي القلّة والذلّ ؛ وأما الفعل العظيم فهو الإنفاق سرّاً ، وهذا يعني حاكمية ذلك العبد على نوازع النفس التي تميل به ميلًا فطرياً للشهرة وذياع الصيت ، وهنا الآية تُوجّه لما هو أصحّ وأفضل في الإنفاق ، وما هو أصحّ وأفضل في الرزق . الهدف السادس : بيان كون العمل والتقوى هما ميزان التعاطي إن الثقافة العرقية البائسة والمناطقية الأكثر بؤساً في التعاطي مع الآخر موروث تأريخي لبني الإنسان ما انفكّ عنه أبداً ، ولذلك نجد قيم السماء في صراع مستديم مع تلك القيم الهابطة التي أكلت الحرث والنسل ، وجعلت الإنسان القويم نازحاً نحو أسفل سافلين .