السيد كمال الحيدري
167
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
خليفة والأمر بالسجود له - تُمثّل خلاصة الأُطروحة الإلهية الجامعة لما كان ويكون وسيكون ، والمتجسّدة في ثلاثية حركة الإنسان الكمالية القائمة ب - ( من أين ، وفي أين ، وإلى أين ) ، إنّها قصّة كلّ واحد منّا في قبال الخلق الآخر ، فنحن مشروعه في الأصول الثلاثة ( الخلق ، والخلافة ، والسجود ) فنحن خلقه ، ونحن خلفاؤه ، ونحن المسجود له ، وفي المقام أسرار عظيمة ينخلع لهولها القلب وتتصدّع من جلالها الجبال الشامخة ، عصيّة البوح ، ممتنعة التصريح ، بل ممتنعة التلميح أيضاً ، لا نقول فيها غير : آمنّا بك يا ربّ . وكيف كان ، فما نُريد إلفات النظر إليه هو توالي حلقات الرمزية في آية السجود بعد أن انطلقت من آية تعليم الأسماء ، فهنالك سلسلة متناسقة بين رمزية التعليم والأسماء والعلم والعالم والمتعلّم والخلافة والسجود ، بل هنالك رمزية عظيمة في إباء السجود إليه من قبل إبليس ، فالسجود لآدم - كما تقدّم - جمع وإثمار ، والعصيان شتات وبوار ، وفي كلمة يُوسف الصدّيق عليه السلام : يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ( يوسف : 39 ) ، إشعار بالحكاية عن ذلك الأصل الابتدائي القائم بالسجود لآدم أو اتخاذ سبيل الشتات من خلال أرباب مُتفرّقين ، وما أجلّه من تعبير ، حيث يصف الأرباب بذلك القيد التوضيحي ، وهو قوله : ( مُتفَرِّقُونَ ) ، لأنهم لا ينبغي أن يكونوا إلا كذلك ، ولذا فهو قيد توضيحي وليس احترازياً ، علماً بأن كلمة الصدّيق عليه السلام هذه تُعتبر نموذجاً من نماذج المثل العرضي . وينبغي التذكير بأن معنى السجود لآدم فيه رموز كثيرة وعميقة ، منها الخضوع والاتّباع المطلق ، ولكننا نرى فيه مرتبة هي أعمق من ذلك ، وهي أنها بمعنى تحصيل الكمال ، فالملائكة - وإبليس بمعيّتهم - ناقصون قاصرون ، فتزوَّدت الملائكة بكمالات السجود لآدم فتكاملت ، وأضاف إبليس لنقصه وقصوره الذاتيين تقصيراً عرضياً بإبائه السجود لآدم .