السيد كمال الحيدري
165
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
يأخذون به لو كان هو التأويل الحقيقي لكان اتّباعهم للمتشابه اتّباعاً حقّاً غير مذموم ، وتبدّل الأمر الذي يدلّ عليه المحكم وهو المراد من المتشابه إلى المعنى غير المراد الذي فهموه من المتشابه واتّبعوه . إذن فيتأكَّد لنا ما تبيّن سلفاً من أنّ تأويل القرآن عبارة عن حقائق خارجية تستند إليها آيات القرآن في معارفها وشرائعها وسائر ما بيّنته ، بحيث لو فرض تغيّر شيء من تلك الحقائق انقلب ما في الآيات من المضامين . قال الغزالي : ( فاعلم أن كلّ ما يحتمله فهْمُك فإنّ القرآن يلقيه إليك على الوجه الذي لو كنت في النوم مطالعاً بروحك اللوح المحفوظ لتمثّل ذلك لك بمثال مناسب يحتاج إلى التعبير . . . ولعلّك تقول : لم أُبرزت هذه الحقائق في هذه الأمثلة ولم تُكشف صريحاً ، حتى ارتبك الناس في جهالة التشبيه وضلالة التخييل ؛ فاعلم أنَّ هذا تعرفه إذا عرفت أن النائم لم ينكشف له الغيب من اللوح المحفوظ إلا بالمثال دون الكشف الصريح كما حكيت لك المثل ، وذلك يعرفه من يعرف العلاقة الخفيّة التي بين عالم الملك والملكوت . ثم إذا عرفت ذلك عرفت أنك في هذا العالم نائم وإن كنت مستيقظاً ، فالناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ، فينكشف لهم عند الانتباه بالموت حقائق ما سمعوه بالمثال وأرواحها ويعلمون أن تلك الأمثلة كانت قشوراً وأصدافاً لتلك الأرواح ، ويتيقّنون صدق آيات القرآن وقول رسول الله . فافهم من هذا أنك ما دمت في هذه الحياة الدنيا فأنت نائم وإنما يقظتك بعد الموت ، وعند ذلك تصير أهلًا لمشاهدة صريح الحقّ كفاحاً ، وقبل ذلك لا تحتمل الحقائق إلا مصبوبة في قالب الأمثال الخيالية ، ثم لجمود نظرك على الحسّ تظنّ أنه لا معنى له إلا المتخيّل وتغفل عن الروح كما تغفل عن روح نفسك ولا تدرك إلا قالبك ) « 1 » ، قال تعالى : وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ( النور : 40 ) .
--> ( 1 ) جواهر القرآن ، لأبي حامد الغزالي : ص 52 . .