السيد كمال الحيدري

145

منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)

الكثرة العددية الملازمة للتقدير والتحديد بل تعدّد المراتب والدرجات - إلى أن يقول : - فتحصَّل أن هؤلاء الذين عرضهم الله تعالى على الملائكة موجودات عالية محفوظة عند الله تعالى ، محجوبة بحجب الغيب ، أنزل الله سبحانه كلّ اسم في العالم بخيرها وبركتها ، واشتقَّ كلّ ما في السماوات والأرض من نورها وبهائها ، وأنهم على كثرتهم وتعدّدهم لا يتعدّدون تعدُّدَ الأفراد ، ولا يتفاوتون تفاوتَ الأشخاص ، وإنما يدور الأمر هناك مدار المراتب والدرجات ، ونزول الاسم من عند هؤلاء إنما هو بهذا القسم من النزول ، وقوله تعالى : وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ وكان هذان القسمان من الغيب النسبي الذي هو بعض السماوات والأرض ، ولذلك قوبل به قوله : أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ، ليشمل قسمي الغيب ، أعني الخارج عن العالم الأرضي والسماوي وغير الخارج عنه ) « 1 » . وينبغي أن يُعلم بأنَّ المراد من الشهود هو التوفّر على كمالات المشهود ، فالمعلوم ليس صورة ذهنية ، وليس حضوره مجرّد حضور عين شاخصة أمام العالم بها ، وإنما حضور المعلوم بكماله لدى العالم به شهوداً ، وهذا هو معنى التحقّق بالشيء الذي يقع في قباله التحقيق الحصولي البرهاني . وعليه فيكون مفاد : وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا هو التحقّق بكمالات تلك الأسماء الوجودية والاتّصاف بها ، فالعالم بالشيء شهوداً واجد لكمالاته . وهنا لنا أن نسأل : كيف حصل ذلك التعليم الشهودي ؟ هل كان تعليم آدم بواسطة أو بغير واسطة ؟ وجوابه : هو أنه تعلَّم الأسماء بغير واسطة ، بدليل سجود الملائكة له أجمعون ، فلو كانت الملائكة هي الواسطة في فيض الأسماء عليه لزم أن تكون الملائكة

--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن : ج 1 ، ص 117 - 118 . .