السيد كمال الحيدري
118
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
من تشخيص الحقيقة كما هي ؛ لأسباب مختلفة ، فإنه أوجد له رموزاً تحمل تلك المضامين ، ومن هنا بدأت صناعة الآلهة الوضعية ، فما يُذكر في بطون الكتب من كون الشيطان قد وسوس للإنسان اتخاذ آلهة من الكواكب والحجر والثمر لم يكن تأسيسياً وإنما هو مُحاكاة لداعي تحصيل الكمالات المودعة في فطرة الإنسان ، فكانت الشبهة في المصداق ، ولو كان الأمر تأسيسياً - كما توهّم البعض - فإن الأمر سوف يؤول إلى القدح بأصل الفطرة التي أودع فيها الله تعالى ضرورة تشخيص الخالق وتحصيل كمالاته المطلقة ، فالدواعي إبداعٌ إلهي خالص في فطرة الإنسان وجّهها الشيطان في مقاطع زمنية معيّنة باتّجاه مصاديق كاذبة ، ظنّها الإنسان هي فجره الصادق فتشبّث بها إلى أن جاءت النبوّات بفجر الحقيقة الصادق . تحرّك الإنسان بفطرته باتّجاه الحقّ ولكنه أخطأ الطريق ، فإنّ الحقّ جوهرٌ فردٌ لا يتثنّى أبداً ، وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ . . . ( الكهف : 29 ) ، أي من شاء فليتمسّك بمصداق الحقيقة الذي أعلن عن نفسه وأظهر كماله ، المتمثّل بالقرآن والرسول صلى الله عليه وآله ، ومن شاء فليبقَ على مصداق الحقيقة الكاذب . وعلى أيّ حال ، فإنَّ الأرباب التي اتُّخذت في تاريخ الإنسانية ليس اتّخاذها إلّا محاولات فاشلة في تشخيص المصداق ، ولا ينبغي تحميل الإنسان بوجوده النوعي مسؤوليات الخطيئة التأريخية ، ولا ينبغي تحقيره وتسخيفه وهو المكرَّم من قبله تعالى ، بل هو المشروع الأبدي لخلافة الله في أرضه « 1 » .
--> ( 1 ) ما نراه في المقام هو أن الإنسان بجميع مصاديقه هو خليفة الله تعالى ، أعني : كلّ فرد فرد بلا استثناء ، والمُستخلَف عليه هو الكمالات الإلهية المودعة في فطرته السليمة ، وهذا هو الحقّ الملتصق بالربّ سبحانه ، وهكذا يُمكن أن نجد فهماً آخر لقوله تعالى : وَقُلِ الحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ . . . . .