السيد كمال الحيدري
107
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
الاستعمال وعلى مُستوى تصوير وتقريب المراد الجدّي الفعلي للنصّ - تُعتبر حلقة صميمية في كيان العملية التأويلية ، وقد عرفت - وسيتّضح لاحقاً أكثر - أن المرحلة التأويلية هي نهاية المطاف في قراءة النصّ القرآني . جدير بالذكر أن النصوص التي تسلك توجّهاً رمزياً إنما تحمل في رحمها معاني جمّة تضيق العبارة بها ، فالرؤية فيها مُطلقة غير محدودة ، تضيق بها جميع القوالب اللفظية ، فيتحرّك النصّ في رمزيته حركة مقدارية ترسم حدودها رؤية وتفحّص القارئ ، وهذا هو المصداق القريب لقوله تعالى : أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً . . . ( الرعد : 17 ) ، وكما أن الأخذ لا يُمكن أن يكون بأيّ حال من الأحوال اتفاقياً فكذلك المعاني القريبة والبعيدة للنصّ على امتداد الزمن لا يُمكن أن تكون هي الأُخرى اتفاقية بأيّ حال من الأحوال . فالمتكلّم الحكيم لا يُطلق العبارات المُغلقة لكي يرصد لها القارئ معاني اتفاقية تفرضها قبلياته وتتحكّم فيها قصديّته ، وإنما هنالك دوائر مُطلقة في معانيها المراتبية مؤطّرة بجملة من القرائن والظروف الموضوعية ، فتدبّر . إن القارئ وظيفته تجاه رمزية النصّ استجلاء معانيه الخفيّة والبعيدة المدى لا أن يُوجد للنصّ معاني أفرزتها قوالبه الخاصّة ، فمثل هذا الدور السلبي في مُحاكاة رمزية النصّ يُفقد النصّ مضامينه ويُبعثر حركته المركزية باتّجاه مقاصده المعرفية العليا . فالنصّ القرآني ليس نصّاً أدبياً محضاً يتحرَّك فيه مُبدعه صياغياً ، فينتقي المفردة بدقّة وتكون عنده مأخوذة لا بشرط من حيث المعنى نظراً لانطفاء الغاية بحضورها ، كما هو الحال في جملة من النتاج الأدبي المعاصر ، إنَّ هذه اللاأدرية من حيث المعنى القريب والبعيد معاً منفية تماماً عن حياض النصّ القرآني .