السيد كمال الحيدري
59
مفهوم الشفاعة في القرآن
وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ « 1 » فهم لا يستغفرون إلّا لمن أذن الله لهم أن يستغفروا له ، وفي إذنه تعالى لهم في ذلك دليل على أنّه تبارك وتعالى يريد أن يقبل هذا الاستغفار ويريد أن يستجيب له ، وإلّا لكان هذا الإذن لغواً وعبثاً ، وتعالى الله عن ذلك . ثمّ إنّ قوله تعالى : . . . وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأرْضِ . . . « 2 » مطلق يوسّع دائرة من يستغفر لهم الملائكة فيشمل الكافر والمنافق والمشرك بالإضافة إلى من ارتضى الله دينهم من المؤمنين ، فكيف نوفّق بين هذا القول وبين قوله تعالى : وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا « 3 » ، الذي حدّد هذه الدائرة بمن آمن دون غيرهم . قد يقال بأنّه لا تنافي بين الآيتين فلا حاجة إلى الرجوع إلى التقييد والإطلاق لأنّهما مثبتتان ولا تنافي بين المثبتات - على حدّ قول الأصوليين - فالأولى تثبت دائرة واسعة لمن يشفع لهم ، والثانية تثبت دائرة أضيق . غير أنّ هذا القول لا يصار إليه ؛ لقيام عدّة أدلّة على خلافه ، إمّا لتقييد الإطلاق في آية سورة الشورى أو لنفي الإطلاق أساساً ، ومن هذه الأدلّة :
--> ( 1 ) الأنبياء : 26 - 27 . ( 2 ) الشورى : 5 . ( 3 ) غافر : 7 .