السيد كمال الحيدري

98

معرفة الله

أَضَاءَ لهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ « 1 » ، وكأنّه كلّما رأى ما يسرّ ناظريه قال : هذا كمالي ، ثمّ يتبيّن له أنّه ازداد توغّلًا في العوز والنقص حيث عوّد نفسه على شيء ثمّ زال عنه ، فلا يكاد يخرج من بئر معطّلة وقبو خاو إلّا ووقع في آخر ، فلا الكوكب ولا القمر ولا الشمس مجديات له ، ما دام الأفول يرسم آخر المطاف ، وهكذا هو بين هذه الكمالات المتوهّمة ، فإن أدركته رحمة ربّه وعلم هدفه وغايته بالوقوف في رتبة سابقة على حقيقة نقصه وقصوره فإنّه سيُطلق الدعوة الإبراهيمية الخالدة إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنْ المُشْرِكِينَ « 2 » ، وإن غلبت عليه شقوته واستودع قلبه لهواه ولذّته فاستوطن الغفلة والتيه وصار يطحن أيّامه ولياليه في رُحى البُعد والجفاء مخالفاً العهد والميثاق ، وهو يعلم أو لا يعلم ، حيث كتم نداء الفطرة المدوّي في وجدانه واشترى بذلك العهد ثمناً قليلًا حَسِبه كمالًا وما هو بكمال إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ « 3 » ، أهلكته الكمالات المتوهّمة الزائفة المُعبّر عنها روائيّاً بماء البحر في قول الإمام الصادق عليه السلام : « مثل الدُّنيا كماء البحر كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشاً حتّى يقتله » « 4 » .

--> ( 1 ) البقرة : 20 . ( 2 ) الأنعام : 79 . ( 3 ) آل عمران : 77 . ( 4 ) أصول الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 136 ح 24 .