السيد كمال الحيدري
84
معرفة الله
إنّ الطهارة من كلّ شوب في الظاهر والباطن هو ما يُصطلح عليه في العرفان والحكمة المتعالية بالسفر من الخلق إلى الحقّ ، ويُسمّى في الاصطلاح الروائي بالجهاد الأكبر ، فقد ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله « أنّه بعث بسرية « 1 » فلمّا رجعوا ، قال صلى الله عليه وآله : مرحباً بقوم قَضُوا الجهاد الأصغر وبقي الجهاد الأكبر . فقيل : يا رسول الله ! وما الجهاد الأكبر ؟ قال : جهاد النفس » « 2 » . فإذا ما أنجز الإنسان جهاده الأكبر فإنّه سوف يقف على أبواب الحقّ نفسه ليسير فيه معرفيّاً عبر أسمائه وصفاته . وحيث إنّ أسماء الله وصفاته هي عين الذات المقدّسة ، فهي مطلقة غير متناهية ؛ ما يعني أنّ السير في كلّ اسم أو صفة هو سير غير مُتناه البتّة ، وإذا ما انتهى السير بأحد فذلك بلحاظه لا بلحاظ الاسم نفسه . وفي ضوء ذلك السير الأسمائي غير المتناهي يزوّد السالك في كلّ نَفَس معرفة جديدة عن المقصد الأوّل ويزداد قرباً منه . إنّ هذا السير والمعرفة هما المصداق الأبرز للوقوف الثالث التحقّقي والموجب لحصول المعرفة بالله تعالى ، ولذا فهذا السير لا تزداد به إدراكات الإنسان ذهنياً وإنّما تزداد به رقعته الوجودية المُبتنية على أساس المعارف الإلهية الحقّة ، ولا يُراد بالرقعة الوجودية وجوده المادّي الظاهري ، بل وجوده المعنويّ الباطنيّ الذي ينفتح بواسطته على عوالم أكبر لا تحدّها حدود ولا ينتهي فيها سقف الوجود .
--> ( 1 ) السرية : الطائفة من الجيش . ( 2 ) فروع الكافي ، مصدر سابق : ج 5 ص 12 ح 3 ، وقد ورد الحديث في المصادر الأخرى بإضافة يسيرة هي : بقي عليهم الجهاد الأكبر .