السيد كمال الحيدري
81
معرفة الله
قال تعالى : وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّا . . . « 1 » . ألا وإنّ غرض العقلاء من الغرس إنّما يتعلّق بالثمر لا بنفس الشجر ، وهكذا في المقام حيث يتعلّق بالعمل به لا به أصلًا ، ومعنى العمل به في المقام على نحو الإجمال هو عدم وقوع المخالفة منه له . وعلى أيّ حال ، فإنّ خلاصة المعارف الحصولية في المعارف الإلهية هي حصول الإدراك اليقيني بوجود ذلك المؤثّر الأوحد ، وأمّا خلاصة المعارف الحضورية في المعارف الإلهية فهي مشاهدة المؤثّر الأوحد بمرآة صفاته وبالحدود الممكنة للعارف بها ضمن ضوابط ومراتب السير المعرفيّ الحقّي ، أو ما يُسمّى بالسفر الثاني الذي يُراد به السفر من الحقّ إلى الحقّ بالحقّ ، أو السفر بالحقّ في الحقّ « 2 » ، كما سيأتي . ( * ) لذا فالوقوف الثالث لا يُسجّل معرفته من خلال الإدراك البرهاني وإنّما من خلال مشهود نفس المُدرَك في الوقوف الثاني ، بعبارة أخرى : إنّ الوقوف الثالث هو التطبيق العملي التامّ للمُدرَك نظريّاً في الوقوف الثاني . وإذا كان بين الوقوف الأوّل الظاهري الساذج وبين الوقوف الثاني الظاهري التحقيقي بُعد المشرقين فإنّ بين الوقوفين الثاني والثالث بُعد المشارق والمغارب ، فليس من وُصِف له الشهد كمن ذاقه ، وليس من سمع كمن رأى . وفي هذه الفاصلة الكبيرة تمثل أمامنا دعوة كبيرة للتأمّل في عمق كلمة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام عندما سأله رجل من الشام : كم بين الحقّ
--> ( 1 ) النمل : 14 . ( 2 ) انظر : الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة ، للحكيم الإلهي صدر الدين الشيرازي ، دار إحياء التراث العربي ، الطبعة الخامسة ، 1419 ه ، بيروت : ج 1 ص 13 .