السيد كمال الحيدري

79

معرفة الله

الحقيقة الواحدة وهي الذات المقدّسة ؛ لأنّ الصفات نفسها وإن اختلفت مفهوماً إلّا أنّها بحسب حقيقتها ووجودها الخارجي لا تمتاز عن أصل وجود الذات المقدّسة بشيء ، فهي كما عرفت عين الذات لا زائدة عليه ، غاية الأمر أنّ الذات عادةً ما تُلحظ بحيثيّات مختلفة فتختلف الآثار تبعاً للحيثيّة الملحوظة في الذات ، فمن لاحظ الذات من خلال عالميّته سوف يقف على آثار العالمية ، ومن لاحظها من خلال قادريته سوف يقف على آثار القادرية ، وهكذا . ولا ريب أنّ هذا الوقوف الثاني البرهاني يختلف اختلافاً كبيراً ويمتاز كثيراً عن الوقوف الأوّل ، فالأوّل لا يصدق عليه حتّى مسمّى المعرفة الأسمائية ، بمعنى أنّه لا يحقّق الحدّ الأدنى من المعرفة الأسمائية ، بخلاف الوقوف الثاني فإنّه يحقّق ذلك وإن كان لا يؤدّي إلى معرفة الله الحقّة ، وإنّما يُعطي صورة برهانية تحكي بوجودها المقيّد ذلك الوجود المطلق . إنّ الوقوف بآلية البرهان وإن تجاوز حدود الظاهر الساذج بمراحل معرفية كبيرة إلّا أنّه يبقى وقوفاً قاصراً حيال المعرفة الحقّة . فالمعرفة البرهانية على رفعتها وقيمتها المعرفية تبقى أسيرة الظاهر والذهن ، بمعنى أنّها لا تمسّ الحقيقة الواقعية الخارجية إلّا بإدراك موجوديّتها ولحاظ آثارها الخارجية ، فإنّ كلّ موجود إمكانيّ هو فعل من أفعال الله تعالى ينتهي إلى صفة من صفاته ، فيُدرك من وراء كلّ فعل وجود الصفة المؤثّرة في صدور أصل الفعل دون أن يقف على حقيقة ذلك المؤثّر الفعلي ، فهو كمن يرى النهار الذي هو أثر الشمس دون أن يرى الشمس نفسها . وقد عرفت في أكثر من مورد أنّ العلوم الحصولية مهما أُحكمت براهينها تبقى بعيدة عن حريم الحضور والشهود ، وإن كانت تصلح بنفسها