السيد كمال الحيدري

70

معرفة الله

إنّهم وأشباههم لم يُبصروا الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في حقيقته وما يحمله من نور ، ولم يُبصروا في القرآن الكريم غير نظمه البديع ، فغابوا تماماً عن معارفه الحقّة وحقائقه الجمّة ، وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً « 1 » ، يدعوهم القرآن والرسول فلا يستجيبون ، وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً « 2 » فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهمْ حَتَّى حِين « 3 » . إنّ عدم الوقوف على المعارف القرآنية الحقّة لهُو المصداق الأوّل والأبرز لهجره وضعف التصديق به ، وبذلك سوف تعمّ شكواه من أنكروه من رأس ، ومن حجبتْهم ذنوبهم عن الوقوف على حقائقه ، وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً « 4 » . ولأجل وقاية الفطرة السليمة من الرّين والطمس والانطمار حرّم الشارع المقدّس قراءة كتب الضلال ، بل حرّم كلّ خطوة مؤدّية إلى ذلك الطمس والنكس ، فجاء التحذير شديداً : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ . . . « 5 » وأيّ فحشاء وأيّ منكر أعظم من طمس الفطرة وتغييب ذلك النور والفرقان وغلق باب التعليم الإلهي ؟ ! ولعلّ من أسرار المسخ « 6 » التكويني الحاصل في الأمم السالفة وأسبابه

--> ( 1 ) الإسراء : 41 . ( 2 ) الإسراء : 46 . ( 3 ) المؤمنون : 54 . ( 4 ) الفرقان : 30 . ( 5 ) النور : 21 . ( 6 ) المسخ هو إحالة التغيير عن بُنية الإنسانية إلى ما سواها ، أو هو تغيير الهيئة والصورة / / الإنسانية إلى هيئة وصورة أخرى ، انظر : رسائل الشريف المرتضى : ج 1 ص 352 ، تحقيق السيّد مهدي رجائي ، الناشر : دار القرآن ، 1405 ه . وإذا كان المسخ الظاهري حاصلًا في الأمم السالفة فإنّ المسخ الباطني حاصل في جميع الأمم ، ولذا فالمسخ هو تشويه الخَلْق والخُلق وتحويلهما من صورة إلى أخرى ، ولا ريب أنّ مسخ الخُلق هو أعظم المسخين خطراً حيث يصير الإنسان متخلّقاً بأخلاق ذميمة من أخلاق بعض الحيوانات كشدّة الحرص والشره وما شابههما . انظر : مفردات ألفاظ القرآن ، مصدر سابق : ص 768 باب ( مسخ ) .