السيد كمال الحيدري

66

معرفة الله

الإنسان نفسه ، فليس لها إلّا أن تكون حركاتها وسكناتها صدىً يحكي إرادة النفس ، وهذه هي العبودية المحضة . ولا ريب أنّ الفاني في الله تعالى ، الذي يحيا العبودية المحضة ، هو المقرّب إلى الله تعالى ؛ نظراً لصيرورة قلبه الطاهر وعاءً لإرادة الله سبحانه . وقد ورد هذا المعنى السامي في كلمة للإمام الحجّة بن الحسن عجّل الله تعالى فرجه الشريف حيث يقول : « قلوبنا أوعية لمشيئة الله ، فإذا شاء شئنا » « 1 » ، وقد عُبّر بالأوعية كناية عن حفظ الأسرار وكتمها . نعم ، إنّ القلوب الطاهرة هي مواضع مشيئة الله تعالى ومجلى إرادته « 2 » ، فإذا ما صار قلب العبد وعاءً لمشيئته سبحانه ومجلى لإرادته فحينئذ يُدرك العبد الولاية الحقّة التي هي بطانة الإنسان الكامل ومحتواه الفعلي ، سواء كان ذلك الإنسان الكامل نبيّاً أو رسولًا أو إماماً أو وليّاً من أولياء الله الصالحين ، فالجامع المشترك بينهم جميعاً هو الفناء في الله تعالى وتحقّق العبودية المحضة منهم له سبحانه ؛ يقول الآملي في « أسراره » : « والولاية هي قيام العبد بالحقّ عند الفناء عن نفسه ، وذلك بتولّي الحقّ إيّاه حتّى يبلغه غاية القرب والتمكين » « 3 » . وقد عرفت في أكثر من مورد أنّه لا يُراد بالفناء انعدام

--> ( 1 ) دلائل الإمامة ، للصدوق : ص 506 . ( 2 ) ورد في إحدى زيارات أمير المؤمنين عليه السلام : « السلام عليك يا حافظ سرّ الله ، ومُمضي حكم الله ، ومُجلي مَجلى إرادة الله ، وموضع مشيئة الله . . . » . انظر : المزار الكبير للشيخ محمّد بن المشهدي ، تحقيق جواد الفيّومي ، نشر مؤسّسة النشر الإسلامي ، الطبعة الأولى ، 1419 ه : ص 304 ؛ بحار الأنوار ، مصدر سابق : ج 97 ص 348 ح 34 . ( 3 ) جامع الأسرار ومنبع الأنوار ، للسيد حيدر الآملي ، نشر شركت انتشارات علمي وفرهنكي ، الطبعة الثانية ، إيران : ص 379 .