السيد كمال الحيدري
58
معرفة الله
فحسب ، ولكن في هذا المورد فحسب أيضاً ، وأمّا من انقطعت في نفسه حبائل الرغبة بالفحشاء فلا يجد في نفسه الداعي لذلك مع قدرته على الفعل ، فذلك إنسان يتمتّع بالتقوى الباطنية ، وهي التقوى الحقيقية المفضية إلى تجلّيات الحقّ في قلبه . إنّ الامتناع عن ارتكاب الفحشاء في العلن خُلقٌ كريم ، والامتناع عنها في السرّ والعلن خُلقٌ أكرم ، ولكنّهما غير قاضيين على ذلك المرض النفسي البذيء الذي يحرِّك صاحبه دائماً باتّجاه الفحشاء باحثاً عن نقطة ضعف يفقد الإنسان توازنه فيها ، فلابدّ من القضاء على أصل الرغبة بالفحشاء وحصول النفرة منها ظاهراً وباطناً ليكون الإنسان متّقياً حقّاً في مورده هذا . إنّ التقوى الحقيقية الحقّة تمثِّل مرتبة معرفية ومقاماً معنوياً يندرج في السقف الأوّل من مجموع المراتب الأخلاقية ، بل هي رئيس الأخلاق الكريمة على حدّ تعبير أمير المؤمنين عليّ عليه السلام حيث يقول : « التقى رئيس الأخلاق » « 1 » . إنّ هذا التوقّي المعرفيّ السلوكي بمرتبته الأعلائية هذه يُشكِّل سُلّماً متيناً يُفضي بصاحبه إلى حاضرة الفطرة الطاهرة . إنّ الامتناع عن الفحشاء سرّاً وعلناً مع الاشتغال القلبي بها يمنع الإنسان عن السقوط الخلقي ويدفع عنه جملة من الآثار الوضعية المقيِّدة لحركة الإنسان نحو الفضيلة ، ولعلّ امتناعه ذلك يكون مُوجباً لتوفيقات معنوية مرتبطة بأثر الترك نفسه ، ولكن ذلك كلّه لا يُعطي الضمانة لطالب
--> ( 1 ) نهج البلاغة نسخة المعجم المفهرس ، نشر مؤسسة النشر الإسلامي ، الطبعة الخامسة ، 1417 ه ، قم : قصار الحكم ، رقم ( 410 ) .